كتاب نهاية اسرائيل 22
الأجواء الآن مغايرة تماما ، للأجواء التي قامت في ظلها الدولة اليهودية
منذ أكثر من مائتي سنة ، قام اليهود بوضع مخطط طويل الأمد ، جمعوا فيه ما بين مطامع أرباب المال اليهود في السيطرة الاقتصادية ، وأحلام الحاخامات التوراتية في فلسطين . وكان الهدف النهائي للعمل الجماعي اليهودي وما زال ، هو السيادة الكاملة على كوكب الأرض من خلال حكم ملكي ديكتاتوري ، يتخذ من القدس عاصمة له لتحقيق مطلب الطرفين معا . نظريا وبإغفال القدرة الإلهية التي لا يؤمن اليهود بوجودها ، فإن مخططهم الإفسادي قابل للتحقق على أرض الواقع ، أما عمليا وبإدخال القدرة الإلهية يُصبح أمر تحقق مخططهم هذا ضربا من الخيال .
وقد تمكن اليهود من خلال هذا المخطط ، من تحقيق السيطرة الاقتصادية ، على العالم الغربي ، بامتلاك الصناعة المصرفية ، وشراء الاستثمارات بكافة أشكالها ، وأهمها الصناعات العسكرية والإعلامية . مما مكّنهم من السيطرة على مجمل سياسيات تلك الدول الداخلية والخارجية ، ومن ثم تم تسخيرها لخدمة أهداف المخطط اليهودي آنف الذكر .
ولو أمعنت النظر في ظروف المنطقة ، التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية ، لوجدت أنها تتقاطع كليا مع المخططات اليهودية ، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ، في ظل موقف السلطان عبد الحميد ، الرافض حتى لإقامة اليهود فيها كأفراد ، حتى استيئست رسل اليهود من الأمر . ولو أمعنت النظر في نتائج الحربين ، ستجد أنها خدمت المخطط اليهودي بشكل ملفت للنظر ، حيث تمخضت الحرب الأولى عن انهيار الدولة العثمانية ، ومن ثم إصدار وعد بلفور ، ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني ، ومن ثم فتح باب الهجرة اليهودية . ومن ثم قامت الحرب الثانية ، فتمخّض عنها إنشاء الأمم المتحدة من خمس دول حليفة ومنتصرة ، وفي تلك الأجواء تم استصدار قرار أممي بتقسيم فلسطين ، من خلال دعم غربي أمريكي بريطاني فرنسي ، وعدم معارضة شرقية روسية صينية ، حيث كان لكل دولة من تلك الدول والمأخوذة بنشوة الانتصار ، أطماع لنيل جزء من الكعكة العالمية بعد الحرب ، وكان أحد المطالب الغربية ، هو تقديم فلسطين لليهود على طبق من ذهب . وفي المقابل ، ستجد أن نتائج هذه الحرب كانت مأساوية على مجمل الدول ، التي شاركت فيها حتى المنتصرة منها ، بما أنها تكبّلت بالديون اليهودية إلى ما لا نهاية ، والمستفيد الوحيد دائما وأبدا ، هم تجّار الحروب من سادات اليهود ، أثرياء وحاخامات ممن يحكمون العالم الغربي في الخفاء .
ـ لنخلص إلى أن قيام إسرائيل واستمرارها ، اعتمد على عدة أمور :
1. تمكين بريطانيا من السيطرة على فلسطين لاستصدار وعد بلفور ، الذي لم يكن كافيا لتحقيق الحلم اليهودي ، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين . ومن ثم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني لتمكين بريطانيا من تنفيذ الوعد ، بفتح أبواب الهجرة وخلق واقع جديد يسمح لليهود بإقامة الدولة .
2. التضليل الإعلامي المستمر للرأي العالمي ، بترويج مقولة أرض بلا شعب وشعب بلا أرض . بالإضافة إلى التضخيم الإعلامي لمسألة الاضطهاد الأممي لليهود ، وخاصة ترويج حكاية ضحايا المحرقة النازية الستة ملايين . لكسب تعاطف وتأييد الرأي العالمي الغربي ، ومن ثم استغلال الحلفاء الخمسة المنتصرين والمؤسسين للأمم المتحدة ، لاستصدار قرار أممي بتقسيم فلسطين تمخض عنه قيام دولة إسرائيل ، بطلب وتأييد من الدول الغربية ، وقبول من الدول الشرقية ، حيث كانت حسبة المصالح للدول الخمسة الكبرى آنذاك تسير في مركب واحد ، بينما كانت الدول العربية بأسرها مملوكة من قبل الغرب .
3. الرعاية الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأمريكية والأوربية المستمرة لإسرائيل في حالتي السلم والحرب .
ـ والسؤال الآن ، هل الظروف التي أوجدت دولة إسرائيل وحافظت على بقائها واستمراريتها ما زالت قائمة ؟
1. فور خروج الجيش البريطاني وفور الإعلان عن قيام الدولة اليهودية ، استطاعت الجيوش العربية قهر الجيش الإسرائيلي والوصول إلى مشارف تل أبيب ، ولولا استجابة العرب للأوامر الأمريكية بوقف القتال ، لما استطاع الغرب من إمداد إسرائيل بالعدة والعتاد لما تمكّنت لاحقا من الانتصار ، ولما كان هناك ما يُسمى بدولة إسرائيل ، ولكن قدّر الله وما شاء فعل .
2. بعد الانفتاح الإعلامي وعالمية وسائل الاتصال وتعدّد مصادر المعلومات ، أُتيح للرأي العالمي وخاصة المناهض لأمريكا وسياساتها ، رؤية الجانب الآخر من الصورة ، الذي عملت وسائل الإعلام الغربية على التعتيم عليه فيما مضى ، فبات الكل يعلم أن فلسطين لم تكن يوما من الأيام أرضا بلا شعب ، بل فيها شعب لا مثيل له بين الشعوب ، له إرادة تفل الحديد ويستحق التقدير والاحترام ، وبات الكل يعلم أن الشعب الذي كان يتباكى من الاضطهاد النازي له ، تبين أنه أكثر نازية ووحشية من النازيين أنفسهم ، فتبدّل التعاطف معه إلى سخطٍ عليه واستياءٍ وخجلٍ عالميّ من أفعاله ، ولولا الفيتو الأمريكي والدعم البريطاني والفرنسي والتخاذل العربي المسلّط على رقاب الفلسطينيين ، والُمحبِط حتى لأنصار القضية الفلسطينية من الشعوب غير العربية ، لما استمرت هذه الدولة النازية الجديدة في الوجود .
3. ولو تتبعنا كافة الحروب العربية الإسرائيلية ، لوجدنا أن إسرائيل لم تكن قادرة بأي حال من الأحوال على مجابهة الجيوش العربية ، بل لم تكن قادرة على حماية نفسها ، لولا الدعم العسكري الأمريكي البريطاني الفرنسي المعلن والخفي بالسلاح والأفراد ، من خلال الجسور الجوية التي كانت توصل هذا الدعم ، فالمواجهة في كل الحروب لم تكن بين العرب وإسرائيل وإنما كانت بين العرب والغرب ، ولوجدنا أن مجمل نوايا القيادات العربية كانت معروفة باليوم والساعة ، وأن تحركات الجيوش العربية وإمداداتها كانت معلنة ومكشوفة وبطيئة وغير منسقة لتعدد القيادات ، ولوجدنا أن عامل الوقت كان حاسما في مجمل تلك الحروب ، مما كان يُمكّن إسرائيل من الاستعداد وطلب النصرة من الغرب .
كانت هذه قراءتنا للواقع ، أما معطيات الواقع المنظور كما يقرأها عامة الناس ، والتي لا توحي باقتراب تحقّق وعد الآخرة وبإمكانية الدخول العراقي لفلسطين في ظل هذه المعطيات ، سنحاول تصحيح هذه القراءة ما أمكن ، من خلال رسم صورة للدخول القادم من خلال صور ومشاهد ، من القرآن والتاريخ والواقع ، لتقريب صفة هذا الدخول لذهن القارئ ، وذلك أولا : لتأكيد مصداقية ما جاء به كتاب الله من أمر هذا الوعد قبل تحقّقه ، وعلى النحو الذي أراده رب العزة لا كما أرادته أهواء البشر ، وثانيا : بيان مدى قابلية تحقّق هذا البعث في زمن قريب جدا ، وضمن معطيات الواقع الحالي الذي قد يراه الناس مخالفا لما نذهب إليه جملة وتفصيلا .
من صور الدخول في القرآن :
نطرح فيما يلي بعضا من صور الدخول مما ورد ذكره في القرآن الكريم :
· ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ، وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، وَقُولُوا حِطَّةٌ ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58 البقرة )
كان هذا وصف للدخول ، الذي أُمر به بنو إسرائيل على قرية مدين شبه الخاوية ، بعد هلاك أغلبية أهلها بالعذاب ، وتركهم لأرضهم ومساكنهم وممتلكاتهم من الزروع والمواشي ، وهذا ما يُشير إليه قوله تعالى ( فكلوا منها حيث شئتم رغدا ) أي أن ما فيها من خيرات وأنعام ، أصبح في متناول أيديهم بمجرد الدخول ، وهذه العبارة قيلت لآدم وزوجه عند أمرهم بدخول الجنة ، وكان هذا من لطف الله بهم ومنّه وكرمه عليهم ، ولذلك طُلب منهم عند دخول باب القرية ، التعبير بالقول والهيئة عن شكرهم وطاعتهم لله على هذه النعمة التي كانوا قد طلبوها سابقا ، وتحصّلوا عليها دون جهد أو عناء ، إذ لم يُجابهوا بأية ممانعة أو مقاومة ، بل على العكس قوبلوا بالترحيب ، من قبل شعيب والقلة المؤمنة ممن بقي من قومه ، لمصاهرة موسى عليه السلام لهم وإقامته عندهم فيما مضى ، والله أعلم .
( قَالَ رَجُلَانِ ، مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ (23 المائدة )
كان هذا وصف للدخول الذي أُمر به بنو إسرائيل لدخول الأرض المقدّسة المأهولة بالسكان ، في محاولة من رجلين مؤمنين عالمين بواقع الحال ، لتشجيعهم وطمأنتهم ، لعلهم يرجعون عن موقفهم الرافض لدخولها وطرد سكانها الوثنيون والاستيطان فيها بدلا منهم ، حيث يؤكد لهما الرجلان ، بأنهم لن يتعرضوا للأذى عند الدخول وفي حال كانت هناك مواجهة ، فلن يُكلّفهم ذلك سوى كسر الباب بقتل الحراس المتواجدين عليه ومباغتة أهلها في الداخل . وعلى ما يبدو أن موسى عليه السلام قبل أن يأمر بني إسرائيل بالدخول ، كان قد بعث هذين الرجلين للتجسس على أهل المدينة المقدّسة ، فوجدا أن أهلها على غير استعداد للحرب وأنهم لا يملكون جيشا ، ولم يكونوا جبارين حقيقة كما ادعى بنوا إسرائيل لاحقا ، وأنهم لا يملكون سوى بضعة حرّاس على باب المدينة فقط . وعندما أمر موسى قومه بالدخول رفضوا مُتذرعين بجبروت أهلها تقاعسا وخذلانا وجبنا ، فعقّب هذين الرجلين على قول موسى ، بقولهم ذلك تفنيدا لادّعائهم وتوضيحا لحقيقة الأمر كما رأوها بأُمّ أعينهم ، ومع ذلك أصرّ بنو إسرائيل على موقفهم الرافض للدخول بقلة إيمانهم وفسقهم وجبنهم . ودخول كهذا يحتاج للمباغتة كعنصر أساسي ، لمنع الخصم من الاستعداد والجاهزية للقتال ، مما يُقلّل أو يمنع الخسائر في المواجهات المكشوفة ، ويدفع الخصم إلى الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع ، ومن ثم الرحيل عن الأرض .
( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ ، إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34 النمل )
وكان هذا وصفا لدخول الملوك على القرى المتمرّدة والمتطاولة على أمرهم ومكانتهم ، وجاء هذا الوصف على لسان ملكة سبأ ، تحذيرا لقومها من عصيان أمر الملك سليمان عليه السلام ، وهذا الدخول هو الأسوأ على الإطلاق . وانظر في ردّ سليمان عليه السلام عندما تمرّدوا على أمره ولم يأتوه مسلمين كما طلب حين قال ( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ، فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37 النمل ) فعصيان أمر الملوك - ذوي القوة والعزة والأنفة - والتطاول عليهم بأي شكل من الأشكال ، يُحمل على أنه تحقير وتقليل من شأنهم ويُعتبر إهانة لا يستطيعون غفرانها ، والرد عليها عادة ما يكون كما هو ظاهر في رد سليمان عليهم ، بإرسال جيش لا قبل للخصم به لا من حيث العدد ولا من حيث العدة ، ونتيجة فعلهم هي كما وصفته ملكة سبأ في الآية الأولى ، وما أكدّ عليه سليمان في الآية الثانية أعلاه .
وغاية هذا الدخول في العادة تكون للانتقام ورد الاعتبار ، باستباحة الأرض والمال والعرض وبتخريب الممتلكات والقتل والتنكيل في العامة ، وأسر علية القوم وإذلالهم ومن ثم قتلهم والتنكيل بهم وسبي نسائهم وأطفالهم ، وتسخيرهم للعمل كجواري وخدام في القصور إمعانا في إذلالهم ، ودخول كهذا عادة ما تُعلن فيه الرغبة في الانتقام ، ويتم فيه تهديد الخصم مسبقا لإذلاله وإدخال الرعب في قلبه ، مما يكون أدعى لانهياره وسرعة تداعيه عند المواجهة ، في حال تجرّأ على ذلك .
· ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ ، مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ، وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ، فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا ، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27 الفتح )
هذه هي المرة الأخرى والوحيدة في القرآن ، التي يرتبط فيها ذكر الدخول بالمسجد وهو دخول المسجد الحرام في مكة ، ولو أمعنت النظر في نص الآية ستجد أنها تصف المسلمين أثناء تأدية العمرة ، وقد جاء في كتب التفسير أن هذه الرؤيا قد تحقّقت فيما سُمّي لاحقا بعمرة القضاء ، في العام التالي لصلح الحديبية فأنزلت هذه الآية تصديقا للرؤيا ووعدا بالفتح ، وأما الدخول العسكري لمكة والمسجد الحرام ، فسُمّي في القرآن فتحا وليس دخولا ، والمعروف أن المسلمين عندما خرجوا لغزو مكة كانوا قد أعدوا عدة الحرب ، وقد روى الإمام مسلم عن جابر : أن رسول الله دخل مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام ، وقال ابن كثير في تفسيره للآية (24) من نفس السورة ، والتي سيرد نصها في الحديث عن فتح مكة أن الرسول عليه الصلاة والسلام : لم يسق عام الفتح هديا وإنما جاء محاربا مقاتلا في جيش عرمرم .
المقصود بدخول المسجد
الدخول القادم للمسجد الأقصى لن يكون لتخريبه كما وقع في المرة الأولى ، ولن يكون بقصد الزيارة فقط لأداء عبادة من العبادات ، كما هو الحال عند دخول المسجد الحرام الموصوف في الآية أعلاه ، فالمقصود بقوله تعالى ( وليدخلوا المسجد ) هو الدخول إلى الأرض المباركة التي تحوي هذا المسجد ، أي فلسطين ككل والسيطرة عليها ، وذِكر المسجد الذي هو بمثابة القلب من الجسد بالنسبة للأرض المباركة والمقدّسة ، جاء للإشارة وللتأكيد على أن نفاذ الوعد بشكل كامل ، وسيتحصل أخيرا بدخول القدس لإزالة العلو اليهودي من فلسطين وإنهاء الوجود اليهودي فيها .
ولو تمعنّت في قوله تعالى ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ، لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ (7) ستجد أن الغاية من البعث في الأصل هي إساءة وجوه اليهود ، وستتحصّل هذه الإساءة من جرّاء ما سيقع فيهم من قتل وتنكيل وسبي وفرار . ومن ثم جاء ذكر المسجد ليكون دخول القدس واستعادتها ، نتيجة تأتّى من جرّاء ما وقع في اليهود من إساءة ، والأنكى والأكثر إيلاما لمن بقي من اليهود بعد زوال دولتهم ، هو أن تُتّخذ القدس عاصمة لدولة عربية كبرى ، لتصبح أحلام يهود الشرق والغرب المتعلقة بها هباءً منثورا ، بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقق . وبالتالي يكون مجيء لفظ الدخول في هذه الحالة ، تأكيدا لتحرير فلسطين واستعادة المسجد والاستيلاء عليه من قبل المبعوثين ، وأن البعث لم يقتصر على إساءة الوجوه فقط . والتشبيه هنا كان لصفة الدخول منذ اجتيازهم لحدود الأرض المقدّسة ، بما تخلله من قتل وتنكيل وأسر وإذلال حتى وصولهم إلى قلب مدينة القدس ، ليتأكد لنا زوال علوهم منها بشكل كامل قهرا وقسرا ، بالضبط كما حصل في المرة الأولى ، عند دخول البابليين بقيادة نبوخذ نصّر .
وعلى ما يبدو أن الدخول القادم ، سيجمع بين صفتي الدخول الثاني والثالث المشار إليهما أعلاه ، لأن غاية الدخول القادم تجمع ما بين غايتيهما ، وهما أولا : طرد اليهود وإعادة الأرض لأصحابها الأصليين ، وثانيا : إشباع الرغبة العراقية في الانتقام من اليهود وإذلالهم .
ومن جانب آخر ، نجد أن قوله تعالى ( ليسوءوا … وليدخلوا … كما دخلوه … ) يصف ما سيجري على أرض فلسطين لحظة الوصول إليها ، وحتى استعادة كامل أرضها . والذي سيجري حقيقة على أرض الواقع حسب الوصف القرآني ليس بمعركة ، وإنما غزو من قبل أمة لا تعرف الرحمة لأمة ضعيفة وجبانة مستباحة الأرض والمال والعرض ، ولو أنك فكّرت بهذا الحدث نظريا كما جاء به النص القرآني ، وحاولت مطابقته مع معطيات الواقع الحالي ستجد بأن عملية تحققه ضرب من الخيال ، ضمن الظروف الراهنة التي تؤكد رجحان كفة موازين القوى العالمية ، لصالح اليهود وحلفائهم الغربيين .
صور من الواقع
ـ حال إسرائيل في المنطقة كحال ثري يملك منزلا في منطقة معزولة عن المدينة ، يحتوي على كمٍّ هائلٍ من الكنوز والمقتنيات الثمينة ، ويقتني عتاد جيش كامل من الأسلحة ، من مسدسات وأسلحة رشاشة وقنابل يدوية وصواريخ ، لحماية هذه الممتلكات من هجمات اللصوص .
فلو أن مجموعة كبيرة من اللصوص لا تملك سوى السلاح الأبيض فكّرت بالسطو على مثل هذا المنزل ، فهل ستنجح ؟!
· إذا وقع هذا السطو وشعر صاحب المنزل باللصوص وهم خارج الأسوار ، فسيكون بمقدوره الاتصال برجال الأمن ومشاغلتهم بما لديه من الأسلحة متنوعة وفتاكة ، حتى يتمكن من الحصول على المساعدة ، هذا إن لم يكن قد فرق شملهم وأبادهم عن بكرة أبيهم قبل وصول المساعدة إليه ، لتكون إمكانية صدهم في هذه الحالة كبيرة جدا .
· إذا وقع السطو ولم يشعر صاحب المنزل باللصوص ، إلا بعد دخولهم إلى المنزل والانتشار في أرجاءه فهو خاسر لا محالة ، ولكن أمامه عدة خيارات أولا : الاتصال بالمساعدة التي لن تصل في الوقت المناسب وسيكون ضررها أكثر من نفعها في حال أحس اللصوص بذلك ، فقد يُصبح قتله أمرا محتما وكذلك الحال فيما لو حوصر اللصوص من قبل رجال الأمن داخل المنزل المُتخم بالأسلحة ، ثانيا : المواجهة المسلحة فيما لو لم يتمكن من الاتصال ، والنتيجة مع كثرتهم محسومة لصالحهم بقتله ونهب محتويات المنزل ، وثالثا : الفرار أو الاختفاء والتسليم بالأمر الواقع لتنهب محتويات المنزل .
· إذا وقع السطو ولم يشعر صاحب المنزل باللصوص إلا وسكين أحدهم تضغط على حنجرته منبهين إياه من النوم ، هنا ستكون النتيجة محسومة فنهب المنزل أصبح تحصيل حاصل ، وأما أمر نجاته من عدمها فمرهون بأيدي اللصوص .
ولغزو إسرائيل يتطلب الأمر تجنّب الحالة الأولى ، وهي ما جرت عليه العادة في كافة الحروب العربية الإسرائيلية ، والعمل على ما أمكن على تحقيق الحالة الثالثة أو الحالة الثانية على الأقل ، بهجوم كبير وشامل ومباغت وسريع ، تكفله وحدة القيادة من خلال العمل المنسقّ والمحافظة على السرية التامة ، مما يحرم إسرائيل من الاستعداد ، ويلغي جميع قدراتها الدفاعية والهجومية ويحرمها حتى من القدرة على طلب المساعدة كذلك ، ولنخلص إلى القول بأن نجاح هذه المهمة يتطلّب عدة عوامل :
أولا : إعداد جيش كبير العدد ، يفوق تعداد الجيش الإسرائيلي أضعافا مضاعفة ، يتم تدريبه على كافة الأساليب القتالية الحديثة ، ويكون لإفراده القدرة على تحمل الجهد والجوع والعطش ، والقدرة على البقاء والاستمرارية في أقسى الظروف ، تملؤهم رغبة جامحة بالانتقام ، ويُسيّرهم حقد جارف .
ثانيا : المحافظة على السرية التامة منذ لحظة الانطلاق حتى الوصول ، لتوفير عنصر المباغتة .
ثالثا : سرعة الوصول ، باستخدام كافة الوسائل والتقنيات العصرية المتاحة .
رابعا : شمولية الهجوم ، من خلال تعدد الجبهات .
خامسا : سرعة الانتشار .
ـ ولو نظرنا إلى واقع إسرائيل ستجد أنها أشبه بالطفل الخداج الذي يعيش في بيئة مصطنعة ، ويحتاج فيها إلى من يٌقدّم له الحماية والرعاية والعناية المستمرة والحثيثة والإمداد بالغذاء والهواء في الظروف الطبيعية ، وإلى العلاج المكثف في الأزمات الصحية بسبب نقص المناعة وعدم القدرة على المقاومة .
ومشكلة إسرائيل أن حاضنتها تقع في بيئة معادية ، وهي عرضة لأن يُفتك بها في أي لحظة ، وأن أمريكا القائمة على رعايتها والعناية بها تبعد عنها آلاف الأميال ، وتحتاج إلى وقت ليس بالقصير لتقديم العون لها كلما ألمّ بها عارض مفاجئ ، وغالبا ما كانت أمريكا تلجأ إلى الحيلة والمماطلة ، في كل مرّة لكسب الوقت كي تؤمن لها العلاج المناسب وتنقذها من الهلاك .
وللتخلص من هذا المسخ ، يتطلب الأمر المباغتة بالهجوم وسرعة الإنجاز وعدم التأخير أثناء عملية القتل والاستمرارية حتى مفارقة الروح الجسد ، لحرمان القائمة على الرعاية من كسب الوقت ، الذي تحتاجه لتعطيل عملية قتل المسخ ومن ثم لتقوم بإنعاشه ، كما جرت العادة في كافة الحروب العربية الإسرائيلية . ولنخلص إلى القول بأن نجاح هذه المهمة يعتمد على ثلاثة عوامل :
أولا : المباغتة بالهجوم .
وثانيا : سرعة الإنجاز .
وثالثا : الاستمرارية حتى مفارقة الروح الجسد إذ ليس بإمكان أمريكا أن تحيي الموتى ولو فكّرت بذلك فلن تجد من يُؤيّدها .
صور من التاريخ الإسلامي
في السنة السادسة للهجرة كان الرسول عليه الصلاة السلام وألف وأربعمائة رجل من المسلمين ، قد أحرموا بالعمرة متوجهين إلى مكة ، فلما علم مشركي قريش بالأمر خرجوا بخيلهم لصدّهم عن دخول المسجد الحرام . فسلك عليه الصلاة والسلام طريقا غير التي كان عليها ، حتى وصل إلى الحديبية بركت الناقة على غير عادتها ، فعلم عليه الصلاة والسلام أنها لن تعدو مكانها ، وبأن العمرة لم تُكتب لهم ذلك العام فأقام ومن معه فيها . فكان فيها الصلح الذي كان من بنوده ، حرمان المسلمين من أداء العمرة في ذلك العام على أن يعودوا لأدائها في العام المقبل فشُقّ ذلك على المسلمين ، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي أراد قتالهم والدخول قسرا ، ولم تهدأ سَوْرة غضبه إلا بعض أن أُنزلت آيات سورة الفتح ، مُبيّنة الحكمة الإلهية التي غفل عنها بعض من أيّد قتال أهل مكة من الصحابة رضوان الله عليهم .
قال تعالى ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ ، لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ، أَنْ تَطَئُوهُمْ ، فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ، لَوْ تَزَيَّلُوا ، لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25 الفتح ) فبالرغم من توافر الرغبة الإلهية في تعذيب الكفار وتوافر التأييد الإلهي للمسلمين في مواجهاتهم للمشركين ، وأسر المسلمين لمن خرج لصدّهم عن المسجد من مشركي قريش ، مُنع المسلمين من الدخول لمكة قسرا ، لئلا يُلحقوا الأذى بالمؤمنين غير المعلومين من أهل مكة ، وأنه لو كان هؤلاء ظاهرين ومعلومين ، لسُمح للمسلمين بقتال المشركين ودخول مكة قسرا .
قلنا في فصل سابق أن صفة دخول المسجد الأقصى ، في المرة الثانية مشابهة لصفة دخوله في المرة الأولى ، والدخول الأول كما علمنا كان من قبل البابليين . ولكن ما نود أن نؤكد عليه هنا ، أن ظروف الدخول الأول مختلفة عن ظروف الدخول الثاني ، فالدخول الأول وقع على كفرة اليهود وفسقتهم ، بعد أن قاموا بإخراج المؤمنين المستضعفين من ديارهم ، وإبعادهم إلى خارج حدود المملكة . وما نراه أمامنا على أرض الواقع في فلسطين ككل ، هو تداخل المدن الفلسطينية بالمدن اليهودية والمستوطنات ، واختلاط السكان من عرب ويهود في بعض المدن وخاصة في مدينة القدس . وهذا الواقع مشابه إلى حد ما ظروف مكة قبل الفتح حيث اختلاط المؤمنين سرّا بالكفار ، وهذا مما ينفي ، والله أعلم ، استخدام القوة بشكل مفرط أثناء الدخول العراقي لفلسطين ، ومما ينفي وقوع مواجهة شاملة في حرب معلنة ومكشوفة ، ولنتعرف على الفكر العسكري لرسول الله عليه الصلاة والسلام ، في كيفية التعامل مع هذا الواقع وكيفية التدبير الإلهي في تنفيذ وعده سنعرض فيما يلي بعض الملامح من فتح مكة .
لما كان صلح الحديبية دخل بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فاغتنمت جماعة من بني بكر تحالفها مع قريش في السنة الثامنة للهجرة ، فأصابوا من خزاعة ثأرا قديما لهم ، وكانت قريش قد رفدت بني بكر بالسلاح والرجال ، فخرج نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش لبني بكر عليهم ، فوعدهم عليه الصلاة والسلام بالنصر فانصرفوا راجعين ، فخرج أبو سفيان حتى قدم المدينة ليطلب الشفاعة ويشدّ في العقد ويزيد في المدة فرجع خائبا .
في تلك الأثناء أُمر المسلمون بالجهاد ، وأُخفيت عنهم جهة الخروج في بادئ الأمر كما أُخفي موعد الخروج ، ثم إن رسول الله أخبر الناس قبيل خروجه بفترة قصيرة أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجدّ والتهيؤ ، وقال : اللهم خُذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها . وكلنا يعلم قصة حاطب بن أبي بلتعه ، عندما حاول إعلام قريش بما كان من أمر المسلمين ، فكشف الله أمره عن طريق الوحي فعُمّيت الأخبار عن قريش ونزل جيش الفتح بالقرب من مكة دون أن يشعر به أهلها .
كان العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام ، قد أعلن إسلامه عند مقدم جيش المسلمين لغزو مكة ، ومما قاله حين نزل رسول الله مرّ الظهران : واصباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر . فخرج العباس رضي الله عنه ليبحث عن رجل من قريش ، ليطلب لها الأمان من رسول الله عليه الصلاة والسلام ، خوفا من أن يُهلكها جيش المسلمين القادم للانتقام منها لنقض العهد ، فوجد صاحبه أبي سفيان فاستجلبه ليطلب الأمان ، ولولا ما أُعطي أبو سفيان من الأمان لأهل مكة وإطلاق سراحه صباحا ، ليُخبرهم قبل دخول جيش المسلمين لهلكت قريش .
كانت قريش - بعد أن نقضت العهد - تتوقع خروج الرسول عليه الصلاة والسلام عليها ، ولكنّ معرفتها لوقت خروجه على وجه الدقة ، لم تكن متحصّلة لذلك لم تقم بالاستعداد للمواجهة ، وكانت تعتمد على خبر يأتيها من عمليات التجسس ، التي دأبت على القيام بها منذ نقضها للعهد للبدء في الاستعداد . ولكن ذلك الخبر لم يأت بمشيئة الله حتى كان صباح يوم الفتح على لسان أبي سفيان ، الذي كان قد أسلم داعيا أهل مكة إلى الاستسلام لا داعيا إياهم إلى النفير .


أضف تعليقا

اضيف في 13 جمادى الأولى, 1429 09:22 م , من قبل صلاح فرج الله على
من مصر said:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ العزيز عماد تحياتى لك من مصر وأنا شخصيا معجب بما تكتبه كما أشكرك على اهتمامك الخاص جدا بالقضية الفلسطينية قضية المسلمين الأولى والتى يجب أن تستحوز على اهتمام مسلمى العالم فى مواجهة قوى الشر فى العالم(الصهيونية العالمية) -- مع تغيير أسلوب المواجهة الحالى وأن يجمع شمل قادتنا ابتغاء مرضاة الله انه سميع قريب ----- خالص تحياتى.
salahgeo@yahoo.com



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية