الأجواء الآن مغايرة تماما ، للأجواء التي قامت في ظلها الدولة اليهودية
منذ أكثر من مائتي سنة ، قام اليهود بوضع مخطط طويل الأمد ، جمعوا فيه ما بين مطامع أرباب المال اليهود في السيطرة الاقتصادية ، وأحلام الحاخامات التوراتية في فلسطين . وكان الهدف النهائي للعمل الجماعي اليهودي وما زال ، هو السيادة الكاملة على كوكب الأرض من خلال حكم ملكي ديكتاتوري ، يتخذ من القدس عاصمة له لتحقيق مطلب الطرفين معا . نظريا وبإغفال القدرة الإلهية التي لا يؤمن اليهود بوجودها ، فإن مخططهم الإفسادي قابل للتحقق على أرض الواقع ، أما عمليا وبإدخال القدرة الإلهية يُصبح أمر تحقق مخططهم هذا ضربا من الخيال .
وقد تمكن اليهود من خلال هذا المخطط ، من تحقيق السيطرة الاقتصادية ، على العالم الغربي ، بامتلاك الصناعة المصرفية ، وشراء الاستثمارات بكافة أشكالها ، وأهمها الصناعات العسكرية والإعلامية . مما مكّنهم من السيطرة على مجمل سياسيات تلك الدول الداخلية والخارجية ، ومن ثم تم تسخيرها لخدمة أهداف المخطط اليهودي آنف الذكر .
ولو أمعنت النظر في ظروف المنطقة ، التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية ، لوجدت أنها تتقاطع كليا مع المخططات اليهودية ، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ، في ظل موقف السلطان عبد الحميد ، الرافض حتى لإقامة اليهود فيها كأفراد ، حتى استيئست رسل اليهود من الأمر . ولو أمعنت النظر في نتائج الحربين ، ستجد أنها خدمت المخطط اليهودي بشكل ملفت للنظر ، حيث تمخضت الحرب الأولى عن انهيار الدولة العثمانية ، ومن ثم إصدار وعد بلفور ، ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني ، ومن ثم فتح باب الهجرة اليهودية . ومن ثم قامت الحرب الثانية ، فتمخّض عنها إنشاء الأمم المتحدة من خمس دول حليفة ومنتصرة ، وفي تلك الأجواء تم استصدار قرار أممي بتقسيم فلسطين ، من خلال دعم غربي أمريكي بريطاني فرنسي ، وعدم معارضة شرقية روسية صينية ، حيث كان لكل دولة من تلك الدول والمأخوذة بنشوة الانتصار ، أطماع لنيل جزء من الكعكة العالمية بعد الحرب ، وكان أحد المطالب الغربية ، هو تقديم فلسطين لليهود على طبق من ذهب . وفي المقابل ، ستجد أن نتائج هذه الحرب كانت مأساوية على مجمل الدول ، التي شاركت فيها حتى المنتصرة منها ، بما أنها تكبّلت بالديون اليهودية إلى ما لا نهاية ، والمستفيد الوحيد دائما وأبدا ، هم تجّار الحروب من سادات اليهود ، أثرياء وحاخامات ممن يحكمون العالم الغربي في الخفاء .
ـ لنخلص إلى أن قيام إسرائيل واستمرارها ، اعتمد على عدة أمور :
1. تمكين بريطانيا من السيطرة على فلسطين لاستصدار وعد بلفور ، الذي لم يكن كافيا لتحقيق الحلم اليهودي ، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين . ومن ثم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني لتمكين بريطانيا من تنفيذ الوعد ، بفتح أبواب الهجرة وخلق واقع جديد يسمح لليهود بإقامة الدولة .
2. التضليل الإعلامي المستمر للرأي العالمي ، بترويج مقولة أرض بلا شعب وشعب بلا أرض . بالإضافة إلى التضخيم الإعلامي لمسألة الاضطهاد الأممي لليهود ، وخاصة ترويج حكاية ضحايا المحرقة النازية الستة ملايين . لكسب تعاطف وتأييد الرأي العالمي الغربي ، ومن ثم استغلال الحلفاء الخمسة المنتصرين والمؤسسين للأمم المتحدة ، لاستصدار قرار أممي بتقسيم فلسطين تمخض عنه قيام دولة إسرائيل ، بطلب وتأييد من الدول الغربية ، وقبول من الدول الشرقية ، حيث كانت حسبة المصالح للدول الخمسة الكبرى آنذاك تسير في مركب واحد ، بينما كانت الدول العربية بأسرها مملوكة من قبل الغرب .
3. الرعاية الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأمريكية والأوربية المستمرة لإسرائيل في حالتي السلم والحرب .
ـ والسؤال الآن ، هل الظروف التي أوجدت دولة إسرائيل وحافظت على بقائها واستمراريتها ما زالت قائمة ؟
1. فور خروج الجيش البريطاني وفور الإعلان عن قيام الدولة اليهودية ، استطاعت الجيوش العربية قهر الجيش الإسرائيلي والوصول إلى مشارف تل أبيب ، ولولا استجابة العرب للأوامر الأمريكية بوقف القتال ، لما استطاع الغرب من إمداد إسرائيل بالعدة والعتاد لما تمكّنت لاحقا من الانتصار ، ولما كان هناك ما يُسمى بدولة إسرائيل ، ولكن قدّر الله وما شاء فعل .
2. بعد الانفتاح الإعلامي وعالمية وسائل الاتصال وتعدّد مصادر المعلومات ، أُتيح للرأي العالمي وخاصة المناهض لأمريكا وسياساتها ، رؤية الجانب الآخر من الصورة ، الذي عملت وسائل الإعلام الغربية على التعتيم عليه فيما مضى ، فبات الكل يعلم أن فلسطين لم تكن يوما من الأيام أرضا بلا شعب ، بل فيها شعب لا مثيل له بين الشعوب ، له إرادة تفل الحديد ويستحق التقدير والاحترام ، وبات الكل يعلم أن الشعب الذي كان يتباكى من الاضطهاد النازي له ، تبين أنه أكثر نازية ووحشية من النازيين أنفسهم ، فتبدّل التعاطف معه إلى سخطٍ عليه واستياءٍ وخجلٍ عالميّ من أفعاله ، ولولا الفيتو الأمريكي والدعم البريطاني والفرنسي والتخاذل العربي المسلّط على رقاب الفلسطينيين ، والُمحبِط حتى لأنصار القضية الفلسطينية من الشعوب غير العربية ، لما استمرت هذه الدولة النازية الجديدة في الوجود .
3. ولو تتبعنا كافة الحروب العربية الإسرائيلية ، لوجدنا أن إسرائيل لم تكن قادرة بأي حال من الأحوال على مجابهة الجيوش العربية ، بل لم تكن قادرة على حماية نفسها ، لولا الدعم العسكري الأمريكي البريطاني الفرنسي المعلن والخفي بالسلاح والأفراد ، من خلال الجسور الجوية التي كانت توصل هذا الدعم ، فالمواجهة في كل الحروب لم تكن بين العرب وإسرائيل وإنما كانت بين العرب والغرب ، ولوجدنا أن مجمل نوايا القيادات العربية كانت معروفة باليوم والساعة ، وأن تحركات الجيوش العربية وإمداداتها كانت معلنة ومكشوفة وبطيئة وغير منسقة لتعدد القيادات ، ولوجدنا أن عامل الوقت كان حاسما في مجمل تلك الحروب ، مما كان يُمكّن إسرائيل من الاستعداد وطلب النصرة من الغرب .
كانت هذه قراءتنا للواقع ، أما معطيات الواقع المنظور كما يقرأها عامة الناس ، والتي لا توحي باقتراب تحقّق وعد الآخرة وبإمكانية الدخول العراقي لفلسطين في ظل هذه المعطيات ، سنحاول تصحيح هذه القراءة ما أمكن ، من خلال رسم صورة للدخول القادم من خلال صور ومشاهد ، من القرآن والتاريخ والواقع ، لتقريب صفة هذا الدخول لذهن القارئ ، وذلك أولا : لتأكيد مصداقية ما جاء به كتاب الله من أمر هذا الوعد قبل تحقّقه ، وعلى النحو الذي أراده رب العزة لا كما أرادته أهواء البشر ، وثانيا : بيان مدى قابلية تحقّق هذا البعث في زمن قريب جدا ، وضمن معطيات الواقع الحالي الذي قد يراه الناس مخالفا لما نذهب إليه جملة وتفصيلا .
من صور الدخول في القرآن :
نطرح فيما يلي بعضا من صور الدخول مما ورد ذكره في القرآن الكريم :
· ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ، وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، وَقُولُوا حِطَّةٌ ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58 البقرة )
كان هذا وصف للدخول ، الذي أُمر به بنو إسرائيل على قرية مدين شبه الخاوية ، بعد هلاك أغلبية أهلها بالعذاب ، وتركهم لأرضهم ومساكنهم وممتلكاتهم من الزروع والمواشي ، وهذا ما يُشير إليه قوله تعالى ( فكلوا منها حيث شئتم رغدا ) أي أن ما فيها من خيرات وأنعام ، أصبح في متناول أيديهم بمجرد الدخول ، وهذه العبارة قيلت لآدم وزوجه عند أمرهم بدخول الجنة ، وكان هذا من لطف الله بهم ومنّه وكرمه عليهم ، ولذلك طُلب منهم عند دخول باب القرية ، التعبير بالقول والهيئة عن شكرهم وطاعتهم لله على هذه النعمة التي كانوا قد طلبوها سابقا ، وتحصّلوا عليها دون جهد أو عناء ، إذ لم يُجابهوا بأية ممانعة أو مقاومة ، بل على العكس قوبلوا بالترحيب ، من قبل شعيب والقلة المؤمنة ممن بقي من قومه ، لمصاهرة موسى عليه السلام لهم وإقامته عندهم فيما مضى ، والله أعلم .
( قَالَ رَجُلَانِ ، مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ (23 المائدة )
كان هذا وصف للدخول الذي أُمر به بنو إسرائيل لدخول الأرض المقدّسة المأهولة بالسكان ، في محاولة من رجلين مؤمنين عالمين بواقع الحال ، لتشجيعهم وطمأنتهم ، لعلهم يرجعون عن موقفهم الرافض لدخولها وطرد سكانها الوثنيون والاستيطان فيها بدلا منهم ، حيث يؤكد لهما الرجلان ، بأنهم لن يتعرضوا للأذى عند الدخول وفي حال كانت هناك مواجهة ، فلن يُكلّفهم ذلك سوى كسر الباب بقتل الحراس المتواجدين عليه ومباغتة أهلها في الداخل . وعلى ما يبدو أن موسى عليه السلام قبل أن يأمر بني إسرائيل بالدخول ، كان قد بعث هذين الرجلين للتجسس على أهل المدينة المقدّسة ، فوجدا أن أهلها على غير استعداد للحرب وأنهم لا يملكون جيشا ، ولم يكونوا جبارين حقيقة كما ادعى بنوا إسرائيل لاحقا ، وأنهم لا يملكون سوى بضعة حرّاس على باب المدينة فقط . وعندما أمر موسى قومه بالدخول رفضوا مُتذرعين بجبروت أهلها تقاعسا وخذلانا وجبنا ، فعقّب هذين الرجلين على قول موسى ، بقولهم ذلك تفنيدا لادّعائهم وتوضيحا لحقيقة الأمر كما رأوها بأُمّ أعينهم ، ومع ذلك أصرّ بنو إسرائيل على موقفهم الرافض للدخول بقلة إيمانهم وفسقهم وجبنهم . ودخول كهذا يحتاج للمباغتة كعنصر أساسي ، لمنع الخصم من الاستعداد والجاهزية للقتال ، مما يُقلّل أو يمنع الخسائر في المواجهات المكشوفة ، ويدفع الخصم إلى الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع ، ومن ثم الرحيل عن الأرض .
( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ ، إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34 النمل )
وكان هذا وصفا لدخول الملوك على القرى المتمرّدة والمتطاولة على أمرهم ومكانتهم ، وجاء هذا الوصف على لسان ملكة سبأ ، تحذيرا لقومها من عصيان أمر الملك سليمان عليه السلام ، وهذا الدخول هو الأسوأ على الإطلاق . وانظر في ردّ سليمان عليه السلام عندما تمرّدوا على أمره ولم يأتوه مسلمين كما طلب حين قال ( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ، فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37 النمل ) فعصيان أمر الملوك - ذوي القوة والعزة والأنفة - والتطاول عليهم بأي شكل من الأشكال ، يُحمل على أنه تحقير وتقليل من شأنهم ويُعتبر إهانة لا يستطيعون غفرانها ، والرد عليها عادة ما يكون كما هو ظاهر في رد سليمان عليهم ، بإرسال جيش لا قبل للخصم به لا من حيث العدد ولا من حيث العدة ، ونتيجة فعلهم هي كما وصفته ملكة سبأ في الآية الأولى ، وما أكدّ عليه سليمان في الآية الثانية أعلاه .
وغاية هذا الدخول في العادة تكون للانتقام ورد الاعتبار ، باستباحة الأرض والمال والعرض وبتخريب الممتلكات والقتل والتنكيل في العامة ، وأسر علية القوم وإذلالهم ومن ثم قتلهم والتنكيل بهم وسبي نسائهم وأطفالهم ، وتسخيرهم للعمل كجواري وخدام في القصور إمعانا في إذلالهم ، ودخول كهذا عادة ما تُعلن فيه الرغبة في الانتقام ، ويتم فيه تهديد الخصم مسبقا لإذلاله وإدخال الرعب في قلبه ، مما يكون أدعى لانهياره وسرعة تداعيه عند المواجهة ، في حال تجرّأ على ذلك .
· ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ ، مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ، وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ، فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا ، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27 الفتح )
هذه هي المرة الأخرى والوحيدة في القرآن ، التي يرتبط فيها ذكر الدخول بالمسجد وهو دخول المسجد الحرام في مكة ، ولو أمعنت النظر في نص الآية ستجد أنها تصف المسلمين أثناء تأدية العمرة ، وقد جاء في كتب التفسير أن هذه الرؤيا قد تحقّقت فيما سُمّي لاحقا بعمرة القضاء ، في العام التالي لصلح الحديبية فأنزلت هذه الآية تصديقا للرؤيا ووعدا بالفتح ، وأما الدخول العسكري لمكة والمسجد الحرام ، فسُمّي في القرآن فتحا وليس دخولا ، والمعروف أن المسلمين عندما خرجوا لغزو مكة كانوا قد أعدوا عدة الحرب ، وقد روى الإمام مسلم عن جابر : أن رسول الله دخل مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام ، وقال ابن كثير في تفسيره للآية (24) من نفس السورة ، والتي سيرد نصها في الحديث عن فتح مكة أن الرسول عليه الصلاة والسلام : لم يسق عام الفتح هديا وإنما جاء محاربا مقاتلا في جيش عرمرم .
المقصود بدخول المسجد
الدخول القادم للمسجد الأقصى لن يكون لتخريبه كما وقع في المرة الأولى ، ولن يكون بقصد الزيارة فقط لأداء عبادة من العبادات ، كما هو الحال عند دخول المسجد الحرام الموصوف في الآية أعلاه ، فالمقصود بقوله تعالى ( وليدخلوا المسجد ) هو الدخول إلى الأرض المباركة التي تحوي هذا المسجد ، أي فلسطين ككل والسيطرة عليها ، وذِكر المسجد الذي هو بمثابة القلب من الجسد بالنسبة للأرض المباركة والمقدّسة ، جاء للإشارة وللتأكيد على أن نفاذ الوعد بشكل كامل ، وسيتحصل أخيرا بدخول القدس لإزالة العلو اليهودي من فلسطين وإنهاء الوجود اليهودي فيها .
ولو تمعنّت في قوله تعالى ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ، لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ (7) ستجد أن الغاية من البعث في الأصل هي إساءة وجوه اليهود ، وستتحصّل هذه الإساءة من جرّاء ما سيقع فيهم من قتل وتنكيل وسبي وفرار . ومن ثم جاء ذكر المسجد ليكون دخول القدس واستعادتها ، نتيجة تأتّى من جرّاء ما وقع في اليهود من إساءة ، والأنكى والأكثر إيلاما لمن بقي من اليهود بعد زوال دولتهم ، هو أن تُتّخذ القدس عاصمة لدولة عربية كبرى ، لتصبح أحلام يهود الشرق والغرب المتعلقة بها هباءً منثورا ، بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقق . وبالتالي يكون مجيء لفظ الدخول في هذه الحالة ، تأكيدا لتحرير فلسطين واستعادة المسجد والاستيلاء عليه من قبل المبعوثين ، وأن البعث لم يقتصر على إساءة الوجوه فقط . والتشبيه هنا كان لصفة الدخول منذ اجتيازهم لحدود الأرض المقدّسة ، بما تخلله من قتل وتنكيل وأسر وإذلال حتى وصولهم إلى قلب مدينة القدس ، ليتأكد لنا زوال علوهم منها بشكل كامل قهرا وقسرا ، بالضبط كما حصل في المرة الأولى ، عند دخول البابليين بقيادة نبوخذ نصّر .
وعلى ما يبدو أن الدخول القادم ، سيجمع بين صفتي الدخول الثاني والثالث المشار إليهما أعلاه ، لأن غاية الدخول القادم تجمع ما بين غايتيهما ، وهما أولا : طرد اليهود وإعادة الأرض لأصحابها الأصليين ، وثانيا : إشباع الرغبة العراقية في الانتقام من اليهود وإذلالهم .
ومن جانب آخر ، نجد أن قوله تعالى ( ليسوءوا … وليدخلوا … كما دخلوه … ) يصف ما سيجري على أرض فلسطين لحظة الوصول إليها ، وحتى استعادة كامل أرضها . والذي سيجري حقيقة على أرض الواقع حسب الوصف القرآني ليس بمعركة ، وإنما غزو من قبل أمة لا تعرف الرحمة لأمة ضعيفة وجبانة مستباحة الأرض والمال والعرض ، ولو أنك فكّرت بهذا الحدث نظريا كما جاء به النص القرآني ، وحاولت مطابقته مع معطيات الواقع الحالي ستجد بأن عملية تحققه ضرب من الخيال ، ضمن الظروف الراهنة التي تؤكد رجحان كفة موازين القوى العالمية ، لصالح اليهود وحلفائهم الغربيين .
منذ أكثر من مائتي سنة ، قام اليهود بوضع مخطط طويل الأمد ، جمعوا فيه ما بين مطامع أرباب المال اليهود في السيطرة الاقتصادية ، وأحلام الحاخامات التوراتية في فلسطين . وكان الهدف النهائي للعمل الجماعي اليهودي وما زال ، هو السيادة الكاملة على كوكب الأرض من خلال حكم ملكي ديكتاتوري ، يتخذ من القدس عاصمة له لتحقيق مطلب الطرفين معا . نظريا وبإغفال القدرة الإلهية التي لا يؤمن اليهود بوجودها ، فإن مخططهم الإفسادي قابل للتحقق على أرض الواقع ، أما عمليا وبإدخال القدرة الإلهية يُصبح أمر تحقق مخططهم هذا ضربا من الخيال .
وقد تمكن اليهود من خلال هذا المخطط ، من تحقيق السيطرة الاقتصادية ، على العالم الغربي ، بامتلاك الصناعة المصرفية ، وشراء الاستثمارات بكافة أشكالها ، وأهمها الصناعات العسكرية والإعلامية . مما مكّنهم من السيطرة على مجمل سياسيات تلك الدول الداخلية والخارجية ، ومن ثم تم تسخيرها لخدمة أهداف المخطط اليهودي آنف الذكر .
ولو أمعنت النظر في ظروف المنطقة ، التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية ، لوجدت أنها تتقاطع كليا مع المخططات اليهودية ، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ، في ظل موقف السلطان عبد الحميد ، الرافض حتى لإقامة اليهود فيها كأفراد ، حتى استيئست رسل اليهود من الأمر . ولو أمعنت النظر في نتائج الحربين ، ستجد أنها خدمت المخطط اليهودي بشكل ملفت للنظر ، حيث تمخضت الحرب الأولى عن انهيار الدولة العثمانية ، ومن ثم إصدار وعد بلفور ، ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني ، ومن ثم فتح باب الهجرة اليهودية . ومن ثم قامت الحرب الثانية ، فتمخّض عنها إنشاء الأمم المتحدة من خمس دول حليفة ومنتصرة ، وفي تلك الأجواء تم استصدار قرار أممي بتقسيم فلسطين ، من خلال دعم غربي أمريكي بريطاني فرنسي ، وعدم معارضة شرقية روسية صينية ، حيث كان لكل دولة من تلك الدول والمأخوذة بنشوة الانتصار ، أطماع لنيل جزء من الكعكة العالمية بعد الحرب ، وكان أحد المطالب الغربية ، هو تقديم فلسطين لليهود على طبق من ذهب . وفي المقابل ، ستجد أن نتائج هذه الحرب كانت مأساوية على مجمل الدول ، التي شاركت فيها حتى المنتصرة منها ، بما أنها تكبّلت بالديون اليهودية إلى ما لا نهاية ، والمستفيد الوحيد دائما وأبدا ، هم تجّار الحروب من سادات اليهود ، أثرياء وحاخامات ممن يحكمون العالم الغربي في الخفاء .
ـ لنخلص إلى أن قيام إسرائيل واستمرارها ، اعتمد على عدة أمور :
1. تمكين بريطانيا من السيطرة على فلسطين لاستصدار وعد بلفور ، الذي لم يكن كافيا لتحقيق الحلم اليهودي ، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين . ومن ثم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني لتمكين بريطانيا من تنفيذ الوعد ، بفتح أبواب الهجرة وخلق واقع جديد يسمح لليهود بإقامة الدولة .
2. التضليل الإعلامي المستمر للرأي العالمي ، بترويج مقولة أرض بلا شعب وشعب بلا أرض . بالإضافة إلى التضخيم الإعلامي لمسألة الاضطهاد الأممي لليهود ، وخاصة ترويج حكاية ضحايا المحرقة النازية الستة ملايين . لكسب تعاطف وتأييد الرأي العالمي الغربي ، ومن ثم استغلال الحلفاء الخمسة المنتصرين والمؤسسين للأمم المتحدة ، لاستصدار قرار أممي بتقسيم فلسطين تمخض عنه قيام دولة إسرائيل ، بطلب وتأييد من الدول الغربية ، وقبول من الدول الشرقية ، حيث كانت حسبة المصالح للدول الخمسة الكبرى آنذاك تسير في مركب واحد ، بينما كانت الدول العربية بأسرها مملوكة من قبل الغرب .
3. الرعاية الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأمريكية والأوربية المستمرة لإسرائيل في حالتي السلم والحرب .
ـ والسؤال الآن ، هل الظروف التي أوجدت دولة إسرائيل وحافظت على بقائها واستمراريتها ما زالت قائمة ؟
1. فور خروج الجيش البريطاني وفور الإعلان عن قيام الدولة اليهودية ، استطاعت الجيوش العربية قهر الجيش الإسرائيلي والوصول إلى مشارف تل أبيب ، ولولا استجابة العرب للأوامر الأمريكية بوقف القتال ، لما استطاع الغرب من إمداد إسرائيل بالعدة والعتاد لما تمكّنت لاحقا من الانتصار ، ولما كان هناك ما يُسمى بدولة إسرائيل ، ولكن قدّر الله وما شاء فعل .
2. بعد الانفتاح الإعلامي وعالمية وسائل الاتصال وتعدّد مصادر المعلومات ، أُتيح للرأي العالمي وخاصة المناهض لأمريكا وسياساتها ، رؤية الجانب الآخر من الصورة ، الذي عملت وسائل الإعلام الغربية على التعتيم عليه فيما مضى ، فبات الكل يعلم أن فلسطين لم تكن يوما من الأيام أرضا بلا شعب ، بل فيها شعب لا مثيل له بين الشعوب ، له إرادة تفل الحديد ويستحق التقدير والاحترام ، وبات الكل يعلم أن الشعب الذي كان يتباكى من الاضطهاد النازي له ، تبين أنه أكثر نازية ووحشية من النازيين أنفسهم ، فتبدّل التعاطف معه إلى سخطٍ عليه واستياءٍ وخجلٍ عالميّ من أفعاله ، ولولا الفيتو الأمريكي والدعم البريطاني والفرنسي والتخاذل العربي المسلّط على رقاب الفلسطينيين ، والُمحبِط حتى لأنصار القضية الفلسطينية من الشعوب غير العربية ، لما استمرت هذه الدولة النازية الجديدة في الوجود .
3. ولو تتبعنا كافة الحروب العربية الإسرائيلية ، لوجدنا أن إسرائيل لم تكن قادرة بأي حال من الأحوال على مجابهة الجيوش العربية ، بل لم تكن قادرة على حماية نفسها ، لولا الدعم العسكري الأمريكي البريطاني الفرنسي المعلن والخفي بالسلاح والأفراد ، من خلال الجسور الجوية التي كانت توصل هذا الدعم ، فالمواجهة في كل الحروب لم تكن بين العرب وإسرائيل وإنما كانت بين العرب والغرب ، ولوجدنا أن مجمل نوايا القيادات العربية كانت معروفة باليوم والساعة ، وأن تحركات الجيوش العربية وإمداداتها كانت معلنة ومكشوفة وبطيئة وغير منسقة لتعدد القيادات ، ولوجدنا أن عامل الوقت كان حاسما في مجمل تلك الحروب ، مما كان يُمكّن إسرائيل من الاستعداد وطلب النصرة من الغرب .
كانت هذه قراءتنا للواقع ، أما معطيات الواقع المنظور كما يقرأها عامة الناس ، والتي لا توحي باقتراب تحقّق وعد الآخرة وبإمكانية الدخول العراقي لفلسطين في ظل هذه المعطيات ، سنحاول تصحيح هذه القراءة ما أمكن ، من خلال رسم صورة للدخول القادم من خلال صور ومشاهد ، من القرآن والتاريخ والواقع ، لتقريب صفة هذا الدخول لذهن القارئ ، وذلك أولا : لتأكيد مصداقية ما جاء به كتاب الله من أمر هذا الوعد قبل تحقّقه ، وعلى النحو الذي أراده رب العزة لا كما أرادته أهواء البشر ، وثانيا : بيان مدى قابلية تحقّق هذا البعث في زمن قريب جدا ، وضمن معطيات الواقع الحالي الذي قد يراه الناس مخالفا لما نذهب إليه جملة وتفصيلا .
من صور الدخول في القرآن :
نطرح فيما يلي بعضا من صور الدخول مما ورد ذكره في القرآن الكريم :
· ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ، وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، وَقُولُوا حِطَّةٌ ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58 البقرة )
كان هذا وصف للدخول ، الذي أُمر به بنو إسرائيل على قرية مدين شبه الخاوية ، بعد هلاك أغلبية أهلها بالعذاب ، وتركهم لأرضهم ومساكنهم وممتلكاتهم من الزروع والمواشي ، وهذا ما يُشير إليه قوله تعالى ( فكلوا منها حيث شئتم رغدا ) أي أن ما فيها من خيرات وأنعام ، أصبح في متناول أيديهم بمجرد الدخول ، وهذه العبارة قيلت لآدم وزوجه عند أمرهم بدخول الجنة ، وكان هذا من لطف الله بهم ومنّه وكرمه عليهم ، ولذلك طُلب منهم عند دخول باب القرية ، التعبير بالقول والهيئة عن شكرهم وطاعتهم لله على هذه النعمة التي كانوا قد طلبوها سابقا ، وتحصّلوا عليها دون جهد أو عناء ، إذ لم يُجابهوا بأية ممانعة أو مقاومة ، بل على العكس قوبلوا بالترحيب ، من قبل شعيب والقلة المؤمنة ممن بقي من قومه ، لمصاهرة موسى عليه السلام لهم وإقامته عندهم فيما مضى ، والله أعلم .
( قَالَ رَجُلَانِ ، مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ (23 المائدة )
كان هذا وصف للدخول الذي أُمر به بنو إسرائيل لدخول الأرض المقدّسة المأهولة بالسكان ، في محاولة من رجلين مؤمنين عالمين بواقع الحال ، لتشجيعهم وطمأنتهم ، لعلهم يرجعون عن موقفهم الرافض لدخولها وطرد سكانها الوثنيون والاستيطان فيها بدلا منهم ، حيث يؤكد لهما الرجلان ، بأنهم لن يتعرضوا للأذى عند الدخول وفي حال كانت هناك مواجهة ، فلن يُكلّفهم ذلك سوى كسر الباب بقتل الحراس المتواجدين عليه ومباغتة أهلها في الداخل . وعلى ما يبدو أن موسى عليه السلام قبل أن يأمر بني إسرائيل بالدخول ، كان قد بعث هذين الرجلين للتجسس على أهل المدينة المقدّسة ، فوجدا أن أهلها على غير استعداد للحرب وأنهم لا يملكون جيشا ، ولم يكونوا جبارين حقيقة كما ادعى بنوا إسرائيل لاحقا ، وأنهم لا يملكون سوى بضعة حرّاس على باب المدينة فقط . وعندما أمر موسى قومه بالدخول رفضوا مُتذرعين بجبروت أهلها تقاعسا وخذلانا وجبنا ، فعقّب هذين الرجلين على قول موسى ، بقولهم ذلك تفنيدا لادّعائهم وتوضيحا لحقيقة الأمر كما رأوها بأُمّ أعينهم ، ومع ذلك أصرّ بنو إسرائيل على موقفهم الرافض للدخول بقلة إيمانهم وفسقهم وجبنهم . ودخول كهذا يحتاج للمباغتة كعنصر أساسي ، لمنع الخصم من الاستعداد والجاهزية للقتال ، مما يُقلّل أو يمنع الخسائر في المواجهات المكشوفة ، ويدفع الخصم إلى الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع ، ومن ثم الرحيل عن الأرض .
( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ ، إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34 النمل )
وكان هذا وصفا لدخول الملوك على القرى المتمرّدة والمتطاولة على أمرهم ومكانتهم ، وجاء هذا الوصف على لسان ملكة سبأ ، تحذيرا لقومها من عصيان أمر الملك سليمان عليه السلام ، وهذا الدخول هو الأسوأ على الإطلاق . وانظر في ردّ سليمان عليه السلام عندما تمرّدوا على أمره ولم يأتوه مسلمين كما طلب حين قال ( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ، فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37 النمل ) فعصيان أمر الملوك - ذوي القوة والعزة والأنفة - والتطاول عليهم بأي شكل من الأشكال ، يُحمل على أنه تحقير وتقليل من شأنهم ويُعتبر إهانة لا يستطيعون غفرانها ، والرد عليها عادة ما يكون كما هو ظاهر في رد سليمان عليهم ، بإرسال جيش لا قبل للخصم به لا من حيث العدد ولا من حيث العدة ، ونتيجة فعلهم هي كما وصفته ملكة سبأ في الآية الأولى ، وما أكدّ عليه سليمان في الآية الثانية أعلاه .
وغاية هذا الدخول في العادة تكون للانتقام ورد الاعتبار ، باستباحة الأرض والمال والعرض وبتخريب الممتلكات والقتل والتنكيل في العامة ، وأسر علية القوم وإذلالهم ومن ثم قتلهم والتنكيل بهم وسبي نسائهم وأطفالهم ، وتسخيرهم للعمل كجواري وخدام في القصور إمعانا في إذلالهم ، ودخول كهذا عادة ما تُعلن فيه الرغبة في الانتقام ، ويتم فيه تهديد الخصم مسبقا لإذلاله وإدخال الرعب في قلبه ، مما يكون أدعى لانهياره وسرعة تداعيه عند المواجهة ، في حال تجرّأ على ذلك .
· ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ ، مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ، وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ، فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا ، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27 الفتح )
هذه هي المرة الأخرى والوحيدة في القرآن ، التي يرتبط فيها ذكر الدخول بالمسجد وهو دخول المسجد الحرام في مكة ، ولو أمعنت النظر في نص الآية ستجد أنها تصف المسلمين أثناء تأدية العمرة ، وقد جاء في كتب التفسير أن هذه الرؤيا قد تحقّقت فيما سُمّي لاحقا بعمرة القضاء ، في العام التالي لصلح الحديبية فأنزلت هذه الآية تصديقا للرؤيا ووعدا بالفتح ، وأما الدخول العسكري لمكة والمسجد الحرام ، فسُمّي في القرآن فتحا وليس دخولا ، والمعروف أن المسلمين عندما خرجوا لغزو مكة كانوا قد أعدوا عدة الحرب ، وقد روى الإمام مسلم عن جابر : أن رسول الله دخل مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام ، وقال ابن كثير في تفسيره للآية (24) من نفس السورة ، والتي سيرد نصها في الحديث عن فتح مكة أن الرسول عليه الصلاة والسلام : لم يسق عام الفتح هديا وإنما جاء محاربا مقاتلا في جيش عرمرم .
المقصود بدخول المسجد
الدخول القادم للمسجد الأقصى لن يكون لتخريبه كما وقع في المرة الأولى ، ولن يكون بقصد الزيارة فقط لأداء عبادة من العبادات ، كما هو الحال عند دخول المسجد الحرام الموصوف في الآية أعلاه ، فالمقصود بقوله تعالى ( وليدخلوا المسجد ) هو الدخول إلى الأرض المباركة التي تحوي هذا المسجد ، أي فلسطين ككل والسيطرة عليها ، وذِكر المسجد الذي هو بمثابة القلب من الجسد بالنسبة للأرض المباركة والمقدّسة ، جاء للإشارة وللتأكيد على أن نفاذ الوعد بشكل كامل ، وسيتحصل أخيرا بدخول القدس لإزالة العلو اليهودي من فلسطين وإنهاء الوجود اليهودي فيها .
ولو تمعنّت في قوله تعالى ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ، لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ (7) ستجد أن الغاية من البعث في الأصل هي إساءة وجوه اليهود ، وستتحصّل هذه الإساءة من جرّاء ما سيقع فيهم من قتل وتنكيل وسبي وفرار . ومن ثم جاء ذكر المسجد ليكون دخول القدس واستعادتها ، نتيجة تأتّى من جرّاء ما وقع في اليهود من إساءة ، والأنكى والأكثر إيلاما لمن بقي من اليهود بعد زوال دولتهم ، هو أن تُتّخذ القدس عاصمة لدولة عربية كبرى ، لتصبح أحلام يهود الشرق والغرب المتعلقة بها هباءً منثورا ، بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقق . وبالتالي يكون مجيء لفظ الدخول في هذه الحالة ، تأكيدا لتحرير فلسطين واستعادة المسجد والاستيلاء عليه من قبل المبعوثين ، وأن البعث لم يقتصر على إساءة الوجوه فقط . والتشبيه هنا كان لصفة الدخول منذ اجتيازهم لحدود الأرض المقدّسة ، بما تخلله من قتل وتنكيل وأسر وإذلال حتى وصولهم إلى قلب مدينة القدس ، ليتأكد لنا زوال علوهم منها بشكل كامل قهرا وقسرا ، بالضبط كما حصل في المرة الأولى ، عند دخول البابليين بقيادة نبوخذ نصّر .
وعلى ما يبدو أن الدخول القادم ، سيجمع بين صفتي الدخول الثاني والثالث المشار إليهما أعلاه ، لأن غاية الدخول القادم تجمع ما بين غايتيهما ، وهما أولا : طرد اليهود وإعادة الأرض لأصحابها الأصليين ، وثانيا : إشباع الرغبة العراقية في الانتقام من اليهود وإذلالهم .
ومن جانب آخر ، نجد أن قوله تعالى ( ليسوءوا … وليدخلوا … كما دخلوه … ) يصف ما سيجري على أرض فلسطين لحظة الوصول إليها ، وحتى استعادة كامل أرضها . والذي سيجري حقيقة على أرض الواقع حسب الوصف القرآني ليس بمعركة ، وإنما غزو من قبل أمة لا تعرف الرحمة لأمة ضعيفة وجبانة مستباحة الأرض والمال والعرض ، ولو أنك فكّرت بهذا الحدث نظريا كما جاء به النص القرآني ، وحاولت مطابقته مع معطيات الواقع الحالي ستجد بأن عملية تحققه ضرب من الخيال ، ضمن الظروف الراهنة التي تؤكد رجحان كفة موازين القوى العالمية ، لصالح اليهود وحلفائهم الغربيين .
صور من الواقع
ـ حال إسرائيل في المنطقة كحال ثري يملك منزلا في منطقة معزولة عن المدينة ، يحتوي على كمٍّ هائلٍ من الكنوز والمقتنيات الثمينة ، ويقتني عتاد جيش كامل من الأسلحة ، من مسدسات وأسلحة رشاشة وقنابل يدوية وصواريخ ، لحماية هذه الممتلكات من هجمات اللصوص .
فلو أن مجموعة كبيرة من اللصوص لا تملك سوى السلاح الأبيض فكّرت بالسطو على مثل هذا المنزل ، فهل ستنجح ؟!
· إذا وقع هذا السطو وشعر صاحب المنزل باللصوص وهم خارج الأسوار ، فسيكون بمقدوره الاتصال برجال الأمن ومشاغلتهم بما لديه من الأسلحة متنوعة وفتاكة ، حتى يتمكن من الحصول على المساعدة ، هذا إن لم يكن قد فرق شملهم وأبادهم عن بكرة أبيهم قبل وصول المساعدة إليه ، لتكون إمكانية صدهم في هذه الحالة كبيرة جدا .
· إذا وقع السطو ولم يشعر صاحب المنزل باللصوص ، إلا بعد دخولهم إلى المنزل والانتشار في أرجاءه فهو خاسر لا محالة ، ولكن أمامه عدة خيارات أولا : الاتصال بالمساعدة التي لن تصل في الوقت المناسب وسيكون ضررها أكثر من نفعها في حال أحس اللصوص بذلك ، فقد يُصبح قتله أمرا محتما وكذلك الحال فيما لو حوصر اللصوص من قبل رجال الأمن داخل المنزل المُتخم بالأسلحة ، ثانيا : المواجهة المسلحة فيما لو لم يتمكن من الاتصال ، والنتيجة مع كثرتهم محسومة لصالحهم بقتله ونهب محتويات المنزل ، وثالثا : الفرار أو الاختفاء والتسليم بالأمر الواقع لتنهب محتويات المنزل .
· إذا وقع السطو ولم يشعر صاحب المنزل باللصوص إلا وسكين أحدهم تضغط على حنجرته منبهين إياه من النوم ، هنا ستكون النتيجة محسومة فنهب المنزل أصبح تحصيل حاصل ، وأما أمر نجاته من عدمها فمرهون بأيدي اللصوص .
ولغزو إسرائيل يتطلب الأمر تجنّب الحالة الأولى ، وهي ما جرت عليه العادة في كافة الحروب العربية الإسرائيلية ، والعمل على ما أمكن على تحقيق الحالة الثالثة أو الحالة الثانية على الأقل ، بهجوم كبير وشامل ومباغت وسريع ، تكفله وحدة القيادة من خلال العمل المنسقّ والمحافظة على السرية التامة ، مما يحرم إسرائيل من الاستعداد ، ويلغي جميع قدراتها الدفاعية والهجومية ويحرمها حتى من القدرة على طلب المساعدة كذلك ، ولنخلص إلى القول بأن نجاح هذه المهمة يتطلّب عدة عوامل :
أولا : إعداد جيش كبير العدد ، يفوق تعداد الجيش الإسرائيلي أضعافا مضاعفة ، يتم تدريبه على كافة الأساليب القتالية الحديثة ، ويكون لإفراده القدرة على تحمل الجهد والجوع والعطش ، والقدرة على البقاء والاستمرارية في أقسى الظروف ، تملؤهم رغبة جامحة بالانتقام ، ويُسيّرهم حقد جارف .
ثانيا : المحافظة على السرية التامة منذ لحظة الانطلاق حتى الوصول ، لتوفير عنصر المباغتة .
ثالثا : سرعة الوصول ، باستخدام كافة الوسائل والتقنيات العصرية المتاحة .
رابعا : شمولية الهجوم ، من خلال تعدد الجبهات .
خامسا : سرعة الانتشار .
ـ ولو نظرنا إلى واقع إسرائيل ستجد أنها أشبه بالطفل الخداج الذي يعيش في بيئة مصطنعة ، ويحتاج فيها إلى من يٌقدّم له الحماية والرعاية والعناية المستمرة والحثيثة والإمداد بالغذاء والهواء في الظروف الطبيعية ، وإلى العلاج المكثف في الأزمات الصحية بسبب نقص المناعة وعدم القدرة على المقاومة .
ومشكلة إسرائيل أن حاضنتها تقع في بيئة معادية ، وهي عرضة لأن يُفتك بها في أي لحظة ، وأن أمريكا القائمة على رعايتها والعناية بها تبعد عنها آلاف الأميال ، وتحتاج إلى وقت ليس بالقصير لتقديم العون لها كلما ألمّ بها عارض مفاجئ ، وغالبا ما كانت أمريكا تلجأ إلى الحيلة والمماطلة ، في كل مرّة لكسب الوقت كي تؤمن لها العلاج المناسب وتنقذها من الهلاك .
وللتخلص من هذا المسخ ، يتطلب الأمر المباغتة بالهجوم وسرعة الإنجاز وعدم التأخير أثناء عملية القتل والاستمرارية حتى مفارقة الروح الجسد ، لحرمان القائمة على الرعاية من كسب الوقت ، الذي تحتاجه لتعطيل عملية قتل المسخ ومن ثم لتقوم بإنعاشه ، كما جرت العادة في كافة الحروب العربية الإسرائيلية . ولنخلص إلى القول بأن نجاح هذه المهمة يعتمد على ثلاثة عوامل :
أولا : المباغتة بالهجوم .
وثانيا : سرعة الإنجاز .
وثالثا : الاستمرارية حتى مفارقة الروح الجسد إذ ليس بإمكان أمريكا أن تحيي الموتى ولو فكّرت بذلك فلن تجد من يُؤيّدها .
صور من التاريخ الإسلامي
في السنة السادسة للهجرة كان الرسول عليه الصلاة السلام وألف وأربعمائة رجل من المسلمين ، قد أحرموا بالعمرة متوجهين إلى مكة ، فلما علم مشركي قريش بالأمر خرجوا بخيلهم لصدّهم عن دخول المسجد الحرام . فسلك عليه الصلاة والسلام طريقا غير التي كان عليها ، حتى وصل إلى الحديبية بركت الناقة على غير عادتها ، فعلم عليه الصلاة والسلام أنها لن تعدو مكانها ، وبأن العمرة لم تُكتب لهم ذلك العام فأقام ومن معه فيها . فكان فيها الصلح الذي كان من بنوده ، حرمان المسلمين من أداء العمرة في ذلك العام على أن يعودوا لأدائها في العام المقبل فشُقّ ذلك على المسلمين ، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي أراد قتالهم والدخول قسرا ، ولم تهدأ سَوْرة غضبه إلا بعض أن أُنزلت آيات سورة الفتح ، مُبيّنة الحكمة الإلهية التي غفل عنها بعض من أيّد قتال أهل مكة من الصحابة رضوان الله عليهم .
قال تعالى ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ ، لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ، أَنْ تَطَئُوهُمْ ، فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ، لَوْ تَزَيَّلُوا ، لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25 الفتح ) فبالرغم من توافر الرغبة الإلهية في تعذيب الكفار وتوافر التأييد الإلهي للمسلمين في مواجهاتهم للمشركين ، وأسر المسلمين لمن خرج لصدّهم عن المسجد من مشركي قريش ، مُنع المسلمين من الدخول لمكة قسرا ، لئلا يُلحقوا الأذى بالمؤمنين غير المعلومين من أهل مكة ، وأنه لو كان هؤلاء ظاهرين ومعلومين ، لسُمح للمسلمين بقتال المشركين ودخول مكة قسرا .
قلنا في فصل سابق أن صفة دخول المسجد الأقصى ، في المرة الثانية مشابهة لصفة دخوله في المرة الأولى ، والدخول الأول كما علمنا كان من قبل البابليين . ولكن ما نود أن نؤكد عليه هنا ، أن ظروف الدخول الأول مختلفة عن ظروف الدخول الثاني ، فالدخول الأول وقع على كفرة اليهود وفسقتهم ، بعد أن قاموا بإخراج المؤمنين المستضعفين من ديارهم ، وإبعادهم إلى خارج حدود المملكة . وما نراه أمامنا على أرض الواقع في فلسطين ككل ، هو تداخل المدن الفلسطينية بالمدن اليهودية والمستوطنات ، واختلاط السكان من عرب ويهود في بعض المدن وخاصة في مدينة القدس . وهذا الواقع مشابه إلى حد ما ظروف مكة قبل الفتح حيث اختلاط المؤمنين سرّا بالكفار ، وهذا مما ينفي ، والله أعلم ، استخدام القوة بشكل مفرط أثناء الدخول العراقي لفلسطين ، ومما ينفي وقوع مواجهة شاملة في حرب معلنة ومكشوفة ، ولنتعرف على الفكر العسكري لرسول الله عليه الصلاة والسلام ، في كيفية التعامل مع هذا الواقع وكيفية التدبير الإلهي في تنفيذ وعده سنعرض فيما يلي بعض الملامح من فتح مكة .
لما كان صلح الحديبية دخل بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فاغتنمت جماعة من بني بكر تحالفها مع قريش في السنة الثامنة للهجرة ، فأصابوا من خزاعة ثأرا قديما لهم ، وكانت قريش قد رفدت بني بكر بالسلاح والرجال ، فخرج نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش لبني بكر عليهم ، فوعدهم عليه الصلاة والسلام بالنصر فانصرفوا راجعين ، فخرج أبو سفيان حتى قدم المدينة ليطلب الشفاعة ويشدّ في العقد ويزيد في المدة فرجع خائبا .
في تلك الأثناء أُمر المسلمون بالجهاد ، وأُخفيت عنهم جهة الخروج في بادئ الأمر كما أُخفي موعد الخروج ، ثم إن رسول الله أخبر الناس قبيل خروجه بفترة قصيرة أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجدّ والتهيؤ ، وقال : اللهم خُذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها . وكلنا يعلم قصة حاطب بن أبي بلتعه ، عندما حاول إعلام قريش بما كان من أمر المسلمين ، فكشف الله أمره عن طريق الوحي فعُمّيت الأخبار عن قريش ونزل جيش الفتح بالقرب من مكة دون أن يشعر به أهلها .
كان العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام ، قد أعلن إسلامه عند مقدم جيش المسلمين لغزو مكة ، ومما قاله حين نزل رسول الله مرّ الظهران : واصباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر . فخرج العباس رضي الله عنه ليبحث عن رجل من قريش ، ليطلب لها الأمان من رسول الله عليه الصلاة والسلام ، خوفا من أن يُهلكها جيش المسلمين القادم للانتقام منها لنقض العهد ، فوجد صاحبه أبي سفيان فاستجلبه ليطلب الأمان ، ولولا ما أُعطي أبو سفيان من الأمان لأهل مكة وإطلاق سراحه صباحا ، ليُخبرهم قبل دخول جيش المسلمين لهلكت قريش .
كانت قريش - بعد أن نقضت العهد - تتوقع خروج الرسول عليه الصلاة والسلام عليها ، ولكنّ معرفتها لوقت خروجه على وجه الدقة ، لم تكن متحصّلة لذلك لم تقم بالاستعداد للمواجهة ، وكانت تعتمد على خبر يأتيها من عمليات التجسس ، التي دأبت على القيام بها منذ نقضها للعهد للبدء في الاستعداد . ولكن ذلك الخبر لم يأت بمشيئة الله حتى كان صباح يوم الفتح على لسان أبي سفيان ، الذي كان قد أسلم داعيا أهل مكة إلى الاستسلام لا داعيا إياهم إلى النفير .
ـ حال إسرائيل في المنطقة كحال ثري يملك منزلا في منطقة معزولة عن المدينة ، يحتوي على كمٍّ هائلٍ من الكنوز والمقتنيات الثمينة ، ويقتني عتاد جيش كامل من الأسلحة ، من مسدسات وأسلحة رشاشة وقنابل يدوية وصواريخ ، لحماية هذه الممتلكات من هجمات اللصوص .
فلو أن مجموعة كبيرة من اللصوص لا تملك سوى السلاح الأبيض فكّرت بالسطو على مثل هذا المنزل ، فهل ستنجح ؟!
· إذا وقع هذا السطو وشعر صاحب المنزل باللصوص وهم خارج الأسوار ، فسيكون بمقدوره الاتصال برجال الأمن ومشاغلتهم بما لديه من الأسلحة متنوعة وفتاكة ، حتى يتمكن من الحصول على المساعدة ، هذا إن لم يكن قد فرق شملهم وأبادهم عن بكرة أبيهم قبل وصول المساعدة إليه ، لتكون إمكانية صدهم في هذه الحالة كبيرة جدا .
· إذا وقع السطو ولم يشعر صاحب المنزل باللصوص ، إلا بعد دخولهم إلى المنزل والانتشار في أرجاءه فهو خاسر لا محالة ، ولكن أمامه عدة خيارات أولا : الاتصال بالمساعدة التي لن تصل في الوقت المناسب وسيكون ضررها أكثر من نفعها في حال أحس اللصوص بذلك ، فقد يُصبح قتله أمرا محتما وكذلك الحال فيما لو حوصر اللصوص من قبل رجال الأمن داخل المنزل المُتخم بالأسلحة ، ثانيا : المواجهة المسلحة فيما لو لم يتمكن من الاتصال ، والنتيجة مع كثرتهم محسومة لصالحهم بقتله ونهب محتويات المنزل ، وثالثا : الفرار أو الاختفاء والتسليم بالأمر الواقع لتنهب محتويات المنزل .
· إذا وقع السطو ولم يشعر صاحب المنزل باللصوص إلا وسكين أحدهم تضغط على حنجرته منبهين إياه من النوم ، هنا ستكون النتيجة محسومة فنهب المنزل أصبح تحصيل حاصل ، وأما أمر نجاته من عدمها فمرهون بأيدي اللصوص .
ولغزو إسرائيل يتطلب الأمر تجنّب الحالة الأولى ، وهي ما جرت عليه العادة في كافة الحروب العربية الإسرائيلية ، والعمل على ما أمكن على تحقيق الحالة الثالثة أو الحالة الثانية على الأقل ، بهجوم كبير وشامل ومباغت وسريع ، تكفله وحدة القيادة من خلال العمل المنسقّ والمحافظة على السرية التامة ، مما يحرم إسرائيل من الاستعداد ، ويلغي جميع قدراتها الدفاعية والهجومية ويحرمها حتى من القدرة على طلب المساعدة كذلك ، ولنخلص إلى القول بأن نجاح هذه المهمة يتطلّب عدة عوامل :
أولا : إعداد جيش كبير العدد ، يفوق تعداد الجيش الإسرائيلي أضعافا مضاعفة ، يتم تدريبه على كافة الأساليب القتالية الحديثة ، ويكون لإفراده القدرة على تحمل الجهد والجوع والعطش ، والقدرة على البقاء والاستمرارية في أقسى الظروف ، تملؤهم رغبة جامحة بالانتقام ، ويُسيّرهم حقد جارف .
ثانيا : المحافظة على السرية التامة منذ لحظة الانطلاق حتى الوصول ، لتوفير عنصر المباغتة .
ثالثا : سرعة الوصول ، باستخدام كافة الوسائل والتقنيات العصرية المتاحة .
رابعا : شمولية الهجوم ، من خلال تعدد الجبهات .
خامسا : سرعة الانتشار .
ـ ولو نظرنا إلى واقع إسرائيل ستجد أنها أشبه بالطفل الخداج الذي يعيش في بيئة مصطنعة ، ويحتاج فيها إلى من يٌقدّم له الحماية والرعاية والعناية المستمرة والحثيثة والإمداد بالغذاء والهواء في الظروف الطبيعية ، وإلى العلاج المكثف في الأزمات الصحية بسبب نقص المناعة وعدم القدرة على المقاومة .
ومشكلة إسرائيل أن حاضنتها تقع في بيئة معادية ، وهي عرضة لأن يُفتك بها في أي لحظة ، وأن أمريكا القائمة على رعايتها والعناية بها تبعد عنها آلاف الأميال ، وتحتاج إلى وقت ليس بالقصير لتقديم العون لها كلما ألمّ بها عارض مفاجئ ، وغالبا ما كانت أمريكا تلجأ إلى الحيلة والمماطلة ، في كل مرّة لكسب الوقت كي تؤمن لها العلاج المناسب وتنقذها من الهلاك .
وللتخلص من هذا المسخ ، يتطلب الأمر المباغتة بالهجوم وسرعة الإنجاز وعدم التأخير أثناء عملية القتل والاستمرارية حتى مفارقة الروح الجسد ، لحرمان القائمة على الرعاية من كسب الوقت ، الذي تحتاجه لتعطيل عملية قتل المسخ ومن ثم لتقوم بإنعاشه ، كما جرت العادة في كافة الحروب العربية الإسرائيلية . ولنخلص إلى القول بأن نجاح هذه المهمة يعتمد على ثلاثة عوامل :
أولا : المباغتة بالهجوم .
وثانيا : سرعة الإنجاز .
وثالثا : الاستمرارية حتى مفارقة الروح الجسد إذ ليس بإمكان أمريكا أن تحيي الموتى ولو فكّرت بذلك فلن تجد من يُؤيّدها .
صور من التاريخ الإسلامي
في السنة السادسة للهجرة كان الرسول عليه الصلاة السلام وألف وأربعمائة رجل من المسلمين ، قد أحرموا بالعمرة متوجهين إلى مكة ، فلما علم مشركي قريش بالأمر خرجوا بخيلهم لصدّهم عن دخول المسجد الحرام . فسلك عليه الصلاة والسلام طريقا غير التي كان عليها ، حتى وصل إلى الحديبية بركت الناقة على غير عادتها ، فعلم عليه الصلاة والسلام أنها لن تعدو مكانها ، وبأن العمرة لم تُكتب لهم ذلك العام فأقام ومن معه فيها . فكان فيها الصلح الذي كان من بنوده ، حرمان المسلمين من أداء العمرة في ذلك العام على أن يعودوا لأدائها في العام المقبل فشُقّ ذلك على المسلمين ، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي أراد قتالهم والدخول قسرا ، ولم تهدأ سَوْرة غضبه إلا بعض أن أُنزلت آيات سورة الفتح ، مُبيّنة الحكمة الإلهية التي غفل عنها بعض من أيّد قتال أهل مكة من الصحابة رضوان الله عليهم .
قال تعالى ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ ، لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ، أَنْ تَطَئُوهُمْ ، فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ، لَوْ تَزَيَّلُوا ، لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25 الفتح ) فبالرغم من توافر الرغبة الإلهية في تعذيب الكفار وتوافر التأييد الإلهي للمسلمين في مواجهاتهم للمشركين ، وأسر المسلمين لمن خرج لصدّهم عن المسجد من مشركي قريش ، مُنع المسلمين من الدخول لمكة قسرا ، لئلا يُلحقوا الأذى بالمؤمنين غير المعلومين من أهل مكة ، وأنه لو كان هؤلاء ظاهرين ومعلومين ، لسُمح للمسلمين بقتال المشركين ودخول مكة قسرا .
قلنا في فصل سابق أن صفة دخول المسجد الأقصى ، في المرة الثانية مشابهة لصفة دخوله في المرة الأولى ، والدخول الأول كما علمنا كان من قبل البابليين . ولكن ما نود أن نؤكد عليه هنا ، أن ظروف الدخول الأول مختلفة عن ظروف الدخول الثاني ، فالدخول الأول وقع على كفرة اليهود وفسقتهم ، بعد أن قاموا بإخراج المؤمنين المستضعفين من ديارهم ، وإبعادهم إلى خارج حدود المملكة . وما نراه أمامنا على أرض الواقع في فلسطين ككل ، هو تداخل المدن الفلسطينية بالمدن اليهودية والمستوطنات ، واختلاط السكان من عرب ويهود في بعض المدن وخاصة في مدينة القدس . وهذا الواقع مشابه إلى حد ما ظروف مكة قبل الفتح حيث اختلاط المؤمنين سرّا بالكفار ، وهذا مما ينفي ، والله أعلم ، استخدام القوة بشكل مفرط أثناء الدخول العراقي لفلسطين ، ومما ينفي وقوع مواجهة شاملة في حرب معلنة ومكشوفة ، ولنتعرف على الفكر العسكري لرسول الله عليه الصلاة والسلام ، في كيفية التعامل مع هذا الواقع وكيفية التدبير الإلهي في تنفيذ وعده سنعرض فيما يلي بعض الملامح من فتح مكة .
لما كان صلح الحديبية دخل بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فاغتنمت جماعة من بني بكر تحالفها مع قريش في السنة الثامنة للهجرة ، فأصابوا من خزاعة ثأرا قديما لهم ، وكانت قريش قد رفدت بني بكر بالسلاح والرجال ، فخرج نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش لبني بكر عليهم ، فوعدهم عليه الصلاة والسلام بالنصر فانصرفوا راجعين ، فخرج أبو سفيان حتى قدم المدينة ليطلب الشفاعة ويشدّ في العقد ويزيد في المدة فرجع خائبا .
في تلك الأثناء أُمر المسلمون بالجهاد ، وأُخفيت عنهم جهة الخروج في بادئ الأمر كما أُخفي موعد الخروج ، ثم إن رسول الله أخبر الناس قبيل خروجه بفترة قصيرة أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجدّ والتهيؤ ، وقال : اللهم خُذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها . وكلنا يعلم قصة حاطب بن أبي بلتعه ، عندما حاول إعلام قريش بما كان من أمر المسلمين ، فكشف الله أمره عن طريق الوحي فعُمّيت الأخبار عن قريش ونزل جيش الفتح بالقرب من مكة دون أن يشعر به أهلها .
كان العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام ، قد أعلن إسلامه عند مقدم جيش المسلمين لغزو مكة ، ومما قاله حين نزل رسول الله مرّ الظهران : واصباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر . فخرج العباس رضي الله عنه ليبحث عن رجل من قريش ، ليطلب لها الأمان من رسول الله عليه الصلاة والسلام ، خوفا من أن يُهلكها جيش المسلمين القادم للانتقام منها لنقض العهد ، فوجد صاحبه أبي سفيان فاستجلبه ليطلب الأمان ، ولولا ما أُعطي أبو سفيان من الأمان لأهل مكة وإطلاق سراحه صباحا ، ليُخبرهم قبل دخول جيش المسلمين لهلكت قريش .
كانت قريش - بعد أن نقضت العهد - تتوقع خروج الرسول عليه الصلاة والسلام عليها ، ولكنّ معرفتها لوقت خروجه على وجه الدقة ، لم تكن متحصّلة لذلك لم تقم بالاستعداد للمواجهة ، وكانت تعتمد على خبر يأتيها من عمليات التجسس ، التي دأبت على القيام بها منذ نقضها للعهد للبدء في الاستعداد . ولكن ذلك الخبر لم يأت بمشيئة الله حتى كان صباح يوم الفتح على لسان أبي سفيان ، الذي كان قد أسلم داعيا أهل مكة إلى الاستسلام لا داعيا إياهم إلى النفير .









من مصر