ما لفت انتباهي في هذا التقرير الصحفي ، هو انسجامه مع المخاوف اليهودية التوراتية ، حيث يُسمّي الدول والمناطق التي تضم الدول المعادية لإسرائيل توراتيا ، ومنها إيران والعراق وليبيا في شمال إفريقيا والسودان وإثيوبيا بمحاذاة البحر الأحمر ، واللتان كانتا قديما دولة واحدة ، ويُشير أيضا إلى ضرورة ضرب العراق حسب ما تدعو وتُحرّض عليه النصوص التوراتية . ولفت انتباهي أيضا التركيز على منطقة غرب العراق ، التي من المتوقع أن يتواجد فيها الجيش العراقي قبل تحرّكه لغزو لإسرائيل .
وفي تقرير آخر من واشنطن للصفحي محمد دلبح ، نُشر في جريدة الدستور الأردنية ( التاريخ غير موّثق ) يقول فيه :
تبحث وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون ) إنتاج قنابل نووية من نوع جديد ، قادرة على اختراق مراكز القيادة ، والتحصينات التي يستخدمها الزعماء والقادة . ونقلت صحيفة ( واشنطن بوست ) عن مصادر في الحكومة الأمريكية والكونغرس قولها : أن الهدف من إنتاج هذه القنابل ، هو تجنّب ما تُسمّيه الحكومة الأمريكية الأضرار الجانبية ، التي تُحدثها الأسلحة التدميرية بأنواعها . ويقول المدافعون عن هذا النوع من القنابل النووية الصغيرة – مقارنة بغيرها – أنها قد تعمل على قيام الولايات المتحدة ، بتخفيض مخزونها الحالي من القنابل النووية ، دون أن تتعرّض مفاهيمها الأمنية لأخطار أو تعديلات . ونسبت الصحيفة إلى مستشاريّ وزير الدفاع الأمريكي ( دونالد رامسفيلد ) قوله : أن الأسلحة النووية الأمريكية الحالية ، لن تردع الرئيس العراقي صدام حسين ، لأنه يعلم بأن الرئيس الأمريكي ، لن يقوم بإلقاء قنبلة نووية – بقوة مائة كيلو طن - على بغداد ، ليُدمّر المدينة بأكملها ، ويقضي على سُكّانها ، بهدف القضاء على أسلحة الدمار الشامل … ومن ناحية أخرى يعتزم اتحاد العلماء الأمريكيين ، إصدار تقرير هذا الأسبوع يقول فيه أن إضافة هذا النوع من القنابل النووية إلى المخزون النووي في العالم ، سيجعل استخدام هذا النوع من السلاح أكثر احتمالا .
أستطيع القول بأن التفكير الأمريكي الإسرائيلي العسكري على المدى القريب ، بعد المعارضة والإدانة العالمية لضربهم بغداد مؤخرا ، سيكون محصورا في الردع وليس في الهجوم ، لعدم وجود ذريعة للهجوم مقبولة دوليا ، ( كذريعة القضاء على أسلحة الدمار الشامل العراقية ) منتظرين فبركة مؤامرة جديدة أو تحرّك عراقي خاطئ ، وأعتقد أنهم سيُحاولون استفزازه في المستقبل القريب بشتى الوسائل والسبل ، ليعلنوا عليه حربهم الشاملة . أما على المدى البعيد - إن لم يُعطهم العراق الذريعة لشنّ تلك الحرب - أستطيع القول ، أنهم وفور امتلاكهم للدرع النووي - الذي سيكون جاهزا بعد خمس سنوات حسب تقديرهم - والذي سيُوفر لهم الحماية من أي ردود فعل نووية ، سيشنّون حربهم المُقدّسة على العراق ، وسيقومون بضربه بوابل من القنابل النووية ، حتى يغدو صحراء قاحلة خاوية على عروشها . لكي يتخلص يهود العالم من هذا الرعب التوراتي المُسلّط على رقابهم ، لينتظروا بسلام ملكهم الذي سيظهر في القدس ، والذي سيعيشون معه أحلامهم الوردية إلى الأبد ، ومن المحتمل جدا أن تكون الضربة النووية للعراق ، كرد فعل أمريكي على الدخول العراقي لفلسطين ، لتبدأ بذلك الحرب العالمية الثالثة .
الموقف العالمي إزاء العراق
كانت غاية الغرب في السنوات الأخيرة وما زالت ، هي تدمير العراق تحقيقا لرغبات اليهود في حماية إسرائيل . وما كان للغرب أن يُحقّق هذا الهدف ، بالخروج على الأعراف والمواثيق الدولية بأي شكل من الأشكال ، للقيام بعدوان مباشر ومكشوف على العراق ، وما كان لأمريكا بعظمتها أن تقوم منفردة بعمل عدواني ضد العراق ، لأنها في هذه الحالة ستجابه العالم بأسره . وبما أن مآرب اليهود من خلال إشعال حرب الخليج الأولى لم تتحقّق ، بل على العكس من ذلك تماما ، خرج العراق من هذه الحرب محتفظا بقوته ، وقامت قيادته بتهديد إسرائيل جهارا نهارا ، بحرق نصف إسرائيل حال اعتدائها على أي بلد عربي ، كانت هذه القيادة كمن حكّ لليهود على جرب .
آنذاك قامت الدنيا ولم تقعد ، طبل وزمر في الشرق والغرب لتأكيد عدوانية العراق ونازيته ، فحرق اليهود هو فعل هتلريّ نازيّ ، وكان ذلك لتهيئة الرأي الغربي والعالمي ، لاستقبال هتلر جديد يسعى لحرق اليهود . وفي الخفاء كانت تُطبخ مؤامرة جديدة ، تمخّضت عن غزو العراق للكويت ، وبذلك استطاعت أمريكا أن تُوجد مبرّرا قانونيا لتدمير العراق ، فغزو العراق للكويت كان مخالفا للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية ، وبذلك استطاعوا إضفاء الشرعية على عدوانيتهم ، لتحقيق مآربهم الحقيقية تحت غطاء الشرعية الدولية ، وبدلا من أن تواجه أمريكا المعتدية العالم بأسره ، أصبحت الضحية العراقية تواجه العالم بعد أن أصبحت معتدية ، كما حصل مع ألمانيا بنفس السيناريو ما قبل الحرب العالمية الثانية وبكل حيثياته ، والسبب هو عداء قيادة البلدين لأسياد العالم ، وبذلك أُجبرت دول العالم المختلفة ، على اتخاذ موقف معادي للعراق ، حتى من قبل حلفاءه التقليديين في ذلك الوقت .
أما في الوقت الحالي ، فقد بدأت دول العالم مؤخرا تصحو من أكاذيب الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، لتبرير ما تنتهجه من سياسات إزاء العراق ، فكل المبرّرات السابقة لم تعد موجودة ، وأصبحت الأعمال الأمريكية العدوانية تُجابه بالمعارضة الشديدة من قبل أغلب دول العالم . وحتى قرارات الشرعية الدولية ، تميل كثير من الدول ومنها روسيا والصين إلى التغاضي عن البحث في مسألة التزام العراق بها من عدمه ، ومنها مسألة فرق التفتيش عن الأسلحة . بل تعمد هذه الدول أحيانا إلى خرق هذه القرارات سرا ، حتى وصل الأمر بمجلس الدوما الروسي ، إلى المطالبة بالتصويت على عملية رفع الحصار عن العراق من جانب واحد . أما الأكثر تمسكا بقرارات الشرعية الدولية ، فهم الذين يذرفون دموع التماسيح على الشعب العراقي ، بدعوى أنهم حريصون على مصلحة هذا الشعب ، وأن قيادة هذا الشعب ليست حريصة عليه ، بما أنها عصت وتمرّدت على قرارات الشرعية الدولية ، التي جعلوا من يعصيها بمنزلة من عصى الله إن لم تكن أعظم .
وأما دعوى الأمريكان بأن العراق يُشكل تهديدا للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ، وعلى رأسها تدفق النفط بأسعار معقولة واستمرارية فتح الأسواق الخليجية للبضائع الأمريكية فهي دعوى باطلة ، فهذان الأمران هما تحصيل حاصل منذ اغتيال الزعيم العربي الوحيد ، الذي عارض الإله الأمريكي بقطع النفط ليشلّ بذلك العالم الغربي بأسره . وأما التذرّع بعدوانية العراق على جيرانه بغزوه للكويت فهو محض افتراء ، لأن من أجبر العراق على غزو الكويت هم الأمريكان بعلم وحلفائهم الكويتيون بغير علم ، وبتخطيط وتدبير وتشجيع من الأمريكان أنفسهم لكلا الطرفين ، وبمساعدة من العرب أنفسهم . لنخلص إلى القول أن العداء الأمريكي للعراق أصبح غير مبرّر ، في نظر شعوب العالم كافة حتى من قبل الشعب الأمريكي نفسه ، الذي أصبح يُحرج قادته بتفنيد كافة الحجج والذرائع ، التي يُبرّرون فيها مواقفهم المتناقضة من العراق وإسرائيل .
ولنخلص إلى القول ، أولا ؛ بأن الموقف العالمي إزاء الصراع الأمريكي العراقي ، أصبح مختلفا بل مغايرا لما كان عليه في السابق ، فهناك بعض الدول العظمى وحتى الصغرى منها ، باتت تتخذ موقفا مناهضا لأمريكا ولإسرائيل ، ومتعاطفا مع العراق وفلسطين ، وخير مثال على ذلك موقف كولومبيا في مجلس الأمن المؤيد ، لإرسال قوة حماية دولية للفلسطينيين ، مبدية عدم اكتراثها بمقاطعات أمريكا الاقتصادية ، وموقفي كل من روسيا والصين . وثانيا ؛ بأن الموقف الأمريكي المعادي للعراق ، عند عدم عزوه للمخاوف التوراتية اليهودية ، يُصبح أمرا لا يُمكن فهمه من قبل الآخرين .
الموقف العربي من العراق
دأبت أمريكا على دفع الأمور ، باتجاه جعل الرأي العالمي والعربي والعراقي ، يعتقد بأن السبب في معاناة الشعب العراقي هو القيادة العراقية بتوجهاتها العدوانية ، حتى بات كثير من العرب يعتقدون بأن هذه القيادة هي السبب الحقيقي ، فيما وصل إليه العرب من ذل وهوان وفرقة ، وضياع لثرواتهم النفطية فضلا عما كانوا عليه في السابق . بل مضى الكثير منهم إلى أبعد من ذلك ، فاتهموا هذه القيادة بالتآمر والتواطؤ مع الغرب نفسه ، ضد العرب وضد الشعب العراقي ، ليصبح إسقاط القيادة العراقية مطلبا عالميا وعربيا وعراقيا ، وليبقى رفع المعاناة عن الشعب العراقي مرتبطا بإسقاط القيادة العراقية الحالية . وهذا مما جعل البعض يذهب إلى القول أيضا ، أن الغرب مستفيد من وجود القيادة العراقية على رأس السلطة لذلك لا يرغب بإسقاطها ، وأن الرئيس العراقي متآمر ومتواطئ مع أمريكا للإضرار بشعبه وأمته ، وحتى ضربه لإسرائيل كان فقط لذر الرماد في العيون . ولو أن أمريكا لم تكن مستفيدة من وجوده لعملت على إزاحته ، تأليها من أولئك لأمريكا بغير علم ، وكأنّها القادر على كل شيء .
وكما أخطأ الشريف حسين بوضع ثقته في الإنكليز في الحرب العالمية الأولى ، وساهم بتنفيذ مخططات اليهود من حيث لا يدري ، أخطأت القيادة العراقية عندما وثقت بأمريكا وبعض مواليها من العرب المتآمرين في ظهر الغيب ، لينطلي عليها معسول الكلام ، فسيق العراق كما يُساق الفهد إلى قفص الصياد ، فدخل حربين مدمرتين كان الهدف منهما تحطيم قدراته ، وعلى ما يبدو أن هذه القيادة استيقظت من غفوتها فور دخولها للكويت ، وعند انكشاف الوجه الحقيقي لأمريكا ولكن بعد فوات الأوان ، فانسحبت من حرب الخليج الثانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، ولكن المتآمرون على العراق من عرب وعجم ، لم يُعطوها الفرصة لالتقاط أنفاسها فتوالت قرارات مجلس الأمن تباعا ، وكان الحصار الذي لم يكن في الحسبان وكانت لجان التفتيش وكانت التعويضات ، فحُصر المارد العراقي في قمقم قرارات مجلس الأمن الدولي ، ريثما يجد المتآمرون عليه طريقة للإجهاز عليه تماما .
كان مقتل القيادة العراقية الأول الذي استغله المتآمرون خير استغلال ، هو ما يتمتع به العراقيون إجمالا من صفات العزة والأنفة ، وعدم قبولهم للذل والهوان والتطاول عليهم من قبل الآخرين . فعندما أُغري الكويتيون بالتطاول على العراق كانت الحرب الانتقامية . وكان المقتل الثاني وما زال هو أن العراقيين رجال حرب وليسوا برجال مكر وكذب ومراء . لذلك كان من السهولة بما كان أن تنطلي عليهم دسائس المكرة الفجرة من الغرب والشرق . وأما رجم القيادة العراقية بالخيانة والتواطؤ مع الغرب من بعض المحبطين العرب ، فذلك أولا : لجهلهم بما يدور في مطابخ الغرب والشرق ضد هذه الأمة بشكل عام وضد العراق بشكل خاص ، وثانيا : لخيبة أملهم فيما عقدوه من آمال على القيادة العراقية لرفع حالة الذل والهوان المزمنة التي يُعانون منها ، وخاصة بعد أن توقفت الصواريخ العراقية عن دكّ معاقل الصهاينة ، قبل أن تتحقّق أحلام الشعب العربي في العزة والكرامة
دوافع ومبررات العراق لمحو إسرائيل عن الوجود
1. التخلّص من الشعور بعقدة الذنب ، حيث أن أفعال القيادة العراقية أضرّت حقيقة بالشعب العراقي والأمة العربية حتى لو كانت عن غير قصد .
2. تبيض الصفحة ونفي تهمة الخيانة والتواطؤ ، حيث أن القيادة العراقية ، أصبحت متهمة من قبل الآخرين .
3. ضرورة التعويض عما لحق الشعب العراقي والأمة العربية ، من ذل وهوان نتيجة الانكسار العراقي .
4. إثبات القدرة العراقية على النهوض بالأمة العربية ، وقيادتها لما تصبو إليه من منازل العز والكرامة ، والتي طالما كانت تتحدث عنها فيما مضى ، ولكنها لم تفلح لغاية الآن ، مما شكّك في مصداقية القيادة العراقية في تصديها لهموم الأمة العربية .
5. إثبات صدق تبني القيادة العراقية ، لمقولة عاشت فلسطين حرة عربية من البحر إلى النهر ، والتي تُعتبر من أولويات الحزب الحاكم .
6. الخروج من الوضع المأساوي والمُهين ، الذي نجم عن الحصار الأبدي ، المفروض على العراق منذ أحد عشر عاما .
7. قطع الطريق على المخططات اليهودية الأمريكية لتدمير العراق التي أصبح العراقيون يعونها تماما .
8. الانتقام من التطاول الإسرائيلي الجبان بضرب المفاعل النووي العراقي أثناء انشغاله في الحرب مع إيران .
9. الانتقام من التطاول الأمريكي أثناء وما بعد حرب الخليج الثانية .
10. إظهار عدم مقدرة أمريكا على حماية مسخها الخداج في المنطقة في أي مواجهة عسكرية حقيقية .
11. سلبية مواقف القيادات العربية غير المبرّرة من العراق ، ويأس القيادة العراقية وقنوطها من هذه القيادات ، خاصة بعد مؤتمري القمة الأخيرين في القاهرة وعمان .
12. تعلّق آمال الشعب الفلسطيني اليائس بصحوة المارد العراقي المحاصر ، وخروجه من الإقامة الجبرية في القمقم ، وهذا ما يُظهره الفلسطينيون أثناء مسيراتهم برفع صور الرئيس العراقي والأعلام العراقية .
13. حاجة الشعوب العربية إلى بطل حقيقي يعيد لها أمجادها ، في زمن عزّت فيه البطولة ، إلا من بطولات على نمط بطولات الدون كيشوت في معاركه مع طواحين الهواء ، التي ما فتئت تتغنى بها وبأبطالها شاشات التلفزة العربية ليلا ونهارا .
14. العراق غريق لن يخشى البلل ، وعلى ما يبدو أنه سيعمل على مبدأ أنا والطوفان من بعدي ، وإن لم يكسب فلا شيء يخسره .
15. الاستفزاز أو العدوان الأمريكي القادم بناءً على التحريض اليهودي ، كما ورد في تقرير واشنطن بإثارة مسألة المفتشين ، مع نهاية شهر 11/2001م أو بإثارة فتنة جديدة ، تدفع العراق للقيام بعمل عدواني داخل أو خارج أراضيه .
النص القرآني يتحدّث عن علاقة ثأرية بين طرفين ولا اعتبار لأي طرف آخر
يتحدّث النص القرآني في سورة الإسراء عن نزاع بين طرفين ، تربط ما بينهما علاقة ثأرية متأصلة في النفس اليهودية منذ آلاف السنين ، ولا يضع في حسبانه أي طرف آخر مهما عظُم شأنه أو صغُر ، وكأنه لا يوجد على الكرة الأرضية سوى بني إسرائيل وأولئك العباد . وهذا ما نجده في الآية السادسة والخمسين من سورة الإسراء ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ، وَلَا تَحْوِيلًا (56) ولفظ ( الضُّرّ ) ورد في القرآن (29) مرة فقط ، وبمعنى واحد هو الأذى أو العذاب في الحياة الدنيا ، والمعنى الإجمالي للآية بأن الله سبحانه وتعالى ، يُخاطب أُناسا أثناء نزول العذاب بهم متحديا إيّاهم ، بدعوة من اتّكلوا عليهم من دونه لرفع عذاب الله عنهم . ووعد الآخرة هو وعد إلهي لليهود بالعذاب – وليس للمسلمين بالنصر - سيقع لا محالة ، والذين نهاهم الله في نفس السورة عن اتخاذ وكلاء من دونه هم بنوا إسرائيل أنفسهم ، ولن يملك أحد من الجن والأنس رفعه أو حتى تحويله عنهم ، ولكن كيف ؟
لنتفق أولا على أن تحقق هذا الوعد بغزو العراق لإسرائيل ، يعتمد أساسا على انفراد العراق بإسرائيل ويمكن لهذا الأمر أن يتحقّق في حالتين :
الاحتمال الأول : أن يكون هذا الغزو مسبوقا بدمار جميع القوى العسكرية التي يمتلكها الغرب وإسرائيل ، كنتيجة لتدخل بشري بقيام حرب نووية عالمية بين الغرب والشرق ، أو كنتيجة لتدخل إلهي بإحداث كوارث طبيعية هائلة في الغرب شبيهة بأحداث يوم القيامة .
الاحتمال الثاني : أن يكون هذا الغزو ضمن معطيات الواقع الحالي ، مع بقاء جميع القوى العسكرية التي يمتلكها الغرب وإسرائيل . باستخدام العراق لتقنيات وخطط عسكرية بسيطة ، تحمل في طياتها منطق عسكري جديد ، لم تألفه الشعوب ولا تتوقعه ضمن المعطيات الحالية ، يكون من شأنه أثناء الغزو ، إلغاء أو تهميش القدرات العسكرية الإسرائيلية والغربية كليا .
والاحتمال الأول ضعيف جدا ، حيث أنه يتطلب أن تقوم القوى الغربية بفعل عدواني يُهدّد الاستقرار العالمي ، مما يُجبر القوى الشرقية المتمثلة بروسيا والصين مثلا ، على الرد بشكل عنيف ومدمّر لإعادة الأمور إلى نصابها . وضمن المنظور القريب لا يوجد من الأسباب ، ما يدفع القوى الغربية للقيام بمثل هذا الفعل العدواني . أما الفعل الإلهي بتدمير القوى الغربية فهو أمر مستبعد كليا ، لأن الأحاديث النبوية فيما يُخص الفترة الزمنية التي يظهر فيها المهدي ، تُشير إلى فناء التكنولوجيا العسكرية وغير العسكرية بمجملها ، سواء ما يمتلكه الشرق أو ما يمتلكه الغرب ، ولا تُشير إلى فناء جميع الدول والشعوب التي تمتلك هذه التكنولوجيا ، فكيف فنيت التكنولوجيا بكليتها ولم تفنى الشعوب … ؟!
وهذا مما يؤكد أمرين ، أولا : بقاء بعض الدول وفناء البعض الآخر ، وثانيا : فناء جميع الأسلحة المتطورة وعلى رأسها الأسلحة النووية من كلا الطرفين . فالدمار القادم للحضارة الغربية برمتها سيتحصّل لا محالة ، وعلى ما يبدو من جرّاء حرب عالمية نووية مدمرة تستنفذ فيها كافة الأسلحة المتطورة من على وجه البسيطة ، مع بقاء بعض الشعوب المنتصرة ، بعد أن تكون ألقت ما في جعبتها من أسلحة على خصومها المنكسرة ، وبذلك يغدو من الممكن قيام الخلافة الإسلامية في ظل غياب تلك القوى لتحكم الكون بأسره ، إذ لا بد للنصر من أسباب ومسببات مادية فضلا عن العقائد الروحية .
أما الاحتمال الثاني فهو الأقوى ، إذ أن المؤشرات على الساحة العالمية والمحلية ، تؤكد على أن العراق لن يستطيع الصمود حتى وقت متأخر جدا ، فصبر القيادة العراقية بدأ ينفذ ، والتحركات السياسية المتعددة للخلاص من الحصار ، على المستوى الإقليمي والدولي باتت غير مجدية ، ورغم كل ذلك لا يبدو أن هناك ضوء في آخر النفق ، والضغوط والتهديدات الأمريكية في تزايد مستمر ، فلا بد لها من القيام بعمل ما لتحريك الأمور ، أو قلبها رأسا على عقب . وكذلك الأمر بالنسبة للشعب الفلسطيني في فلسطين ، إذا ما استمر الحال على ما هو عليه من الخذلان العربي والعالمي ، فهو أقرب إلى الانهيار منه إلى الاستمرار ، وستكون النتيجة مأساوية على المدى البعيد ، وعلى عكس ما يتوقعه الناس منهم ، فللإنسان طاقة محدودة على الصبر ، وسيبدأ الفلسطينيون مجدّدا بالانسياب إلى الخارج شيئا فشيئا .
معطيات الواقع الحالي تؤكد حتمية نفاذ هذا الوعد في وقت قريب
وسرّ قابلية نفاذ هذا الوعد في الوقت الراهن تكمن في أربع معطيات ، أولا : في القيادة الحالية للعراق التي إن زالت لن تتكرّر ، فهي التي تملك إرادة الغزو بعدما تولدت لديها نتيجة عملية مخاض عسيرة ، تمثلت بما لحق بالعراق من ظلم وإجحاف وإذلال في السنوات الأخيرة على عهد هذه القيادة ، وهي المُطالبَة بإزالة هذا الظلم والهوان والثأر ممن تسبّب فيه ، وبعث أولئك العباد المشار إليهم في النص القرآني أساسا - وكما أوضحنا سابقا - قائم على علاقة ثأرية بينهم وبين اليهود غايته الانتقام ليس إلا .
وثانيا : في القيادة الحالية لإسرائيل ، بقيادة أكثر اليهود إجراما ووحشية ، ودورها في ازدياد حدّة ودموية الانتفاضة الجديدة ، والتي ساهمت وستساهم في استمرارية انغماس يهود إسرائيل في شأنهم الداخلي ، وإهمالهم وعدم التفاتهم لمن يتربّص بهم الدوائر من الخارج ، مما يعطي فرصة أكبر لنجاح الغزو العراقي .
وثالثا : في حالة المجتمع الإسرائيلي الراهنة ، وخاصة بعد اختياره لقيادة هي الأكثر دموية بين سابقاتها ، وبأغلبية ساحقة مما يُشير إلى أن الشعب بكليته ، أصبح أيضا شعبا دمويا فاسدا ومفسدا ، وعندما تصبح الأمة بأسرها تملك هذه الصفة ، وحسب السنن الإلهية ، نجد أن هلاكها بات وشيكا جدا . وإذا علمنا أن السفاح ( شارون ) يحمل على عاتقه ، تنفيذ مجمل أحلام اليهود التوراتية الواردة في الفصول السابقة قبل نهاية ولايته ، وعلى رأسها هدم المسجد الأقصى ، نستطيع القول بأن هلاك هذه الأمة لن يتجاوز الأربع سنوات على أبعد الاحتمالات .
ورابعا : في القيادة الحالية الأمريكية غير المتزنة ، التي أعلنت عدائيتها غير المبررة للعراق ، وقامت بضربه فور تسلمها للسلطة دون سابق إنذار ، بالرغم من سياساته التصالحية وتجاوبه الكامل مع قرارات الشرعية الدولية ، وانتهاجه لأسلوب الحوار مع مجلس الأمن _ وكل ذلك لم ولن يُجدي نفعا ، إذ أن المطلوب من العراق هو عبادة إسرائيل التي يعبدون ، وتقديم فروض الطاعة والولاء للسامريّون الجدد في الغرب المتصهين _ والتي أظهرت أيضا في المقابل تغاضيا وصمتا ، على ما تقترفه القيادة الإسرائيلية بشكل غير مسبوق ، مما أثار حفيظة حتى المنافقين من حلفاء أمريكا ، فتعاقبت التنديدات والانتقادات لهذا التصرف الأهوج من قبل المُهرّج الأمريكي بوش .
هذا ، فضلا عما أثارته القيادة الأمريكية من استياء عالمي ودولي ، لسياستها المعادية لدول الشرق الأقصى والأدنى من روسيا شمالا وحتى اليمن جنوبا ، ومن الصين شرقا وحتى ليبيا غربا ، ولحلفائها الغربيين من الدول غير المنحازة لسياساتها ، وللبشرية جمعاء بعدم توقيعها على اتفاقية الحد من الانبعاث الحراري ، حتى انعكس ذلك على مشاركة أمريكا في اللجان المنبثقة عن هيئة الأمم المتحدة ، فأُسقطت من لجنتي حقوق الإنسان ومكافحة المخدرات ، خلال فترة قصيرة مما يعكس السخط الدولي على أمريكا وسياساتها .
فضلا عن ذلك ، يأتي مشروع الدرع المضاد للصواريخ المثير للجدل ، والذي تروّج له أمريكا على أنه مشروع دفاعي بحت ، تسعى لامتلاكه متذرّعة بمخاوف غير منطقية من هجوم نووي ، ربما تقوم به إحدى الدول المارقة كإيران وكوريا الشمالية ، أو جماعات إرهابية من الممكن أن تحصل يوما ما على السلاح النووي ، لضمان تأييد حلفائها لهذا المشروع ، الذين أبدوا حوله الكثير من التحفظات ، لعدم قناعتهم بالمسوغات الأمريكية لهذا المشروع . والذي يُجابه أيضا بمعارضة شديدة من قبل روسيا والصين ، كون هذا المشروع سيلغي قوة الردع النووية ، لأي دولة تمتلك السلاح النووي . فالسلاح النووي في الأصل هو قوة ردع كفيلة ، بمنع أي دولة مارقة أو غير مارقة من مجرد التفكير بضرب أمريكا نوويا ، ليتبين لنا أن دوافع أمريكا المعلنة لامتلاك هذا الدرع غير مبررة وغير منطقية .
أما دوافعها غير المعلنة لامتلاك هذا الدرع ، فهي نابعة من المخاوف التوراتية والإنجيلية ، فيما يتعلّق بالمواجهة المقبلة بين الشرق والغرب ، والتي تناولناها في فصل سابق ، ومحركاتها الرئيسية هي العراق وروسيا والمهدي . وبامتلاك أمريكا لهذا الدرع ، تتحول صواريخها النووية إلى أسلحة هجومية ، قادرة على ضرب أي جماعة ، أو دولة نوويا أو غير نووية من المذكورة آنفا ، في حالة قيامها بتهديد المصالح أو أمن أمريكا وحلفائها ، دون أن تكترث بأي هجوم نووي مضاد حتى من قبل روسيا والصين ، وبذلك تستطيع أمريكا فرض إرادتها على أي دولة بالقوة إن لم تمتثل لسياساتها طواعية ، ضاربة بهيئة الأمم ومجالسها وقراراتها ومواثيقها عُرض الحائط .
ولو بحثت عمن يسعى بحماس لترويج فكرة هذا الدرع ، في الإدارة الأمريكية ومجلسي الشيوخ والنواب ، لوجدت أنهم في معظمهم من اليهود ومن المتصهينين النصارى من عبدة إسرائيل ، المسكونين بالمخاوف التوراتية والإنجيلية . وأن الهدف المنشود من إقامة هذا الدرع ، هو تمكين النبوءات التوراتية المستقبلية التي توافق أهوائهم وأمانيهم من التحقق ، وتعطيل جميع النبوءات التي تخالفها ، وبذلك تصبح قابلية نفاذ هذا الوعد بالشكل الذي نتحدث عنه شبه معدومة بل مستحيلة ، ففور شعور أمريكا بأي بوادر تحركات عراقي باتجاه إسرائيل ، لن تتردد الإدارة الأمريكية التوراتية في أن تجعل أرض العراق صعيدا جرزا ، دون خوف أو وجل وليصبح اسم العراق نسيا منسيا . هذا إن لم تستبق الأمور كما هي العادة ، بضرب العراق والخلاص من أمره ، حتى قبل أن يُفكر بالتحرك فور امتلاكها لهذا الدرع ، بعد خمس سنوات من البدء في تنفيذه حسب تقديراتها ، ليصبح أمر نفاذ هذا الوعد بعد هذه المدة الزمنية ضربا من الخيال ، فلا بد من تحقق هذا الوعد قبل مضي هذه المدة .
وقد يقول قائل أن أمريكا لا تخشى أحدا ، ولو أرادت بالعراق السوء لفعلت ، ونقول بأن هذا القول غير صحيح ، فلتدمير القدرة العسكرية التقليدية وأسلحة الدمار الشامل العراقية ، احتاجت أمريكا أولا : مبررا وهو غزو الكويت ، وثانيا : لإجماع أممي لاستصدار قرار باستخدام القوة ، وثالثا : لمشاركة 30 دولة لتنفيذ الهجوم لتوزيع دمه على القبائل ، ومن ثم فُتح المجال لإجراءاتها العدائية المستمرة اتجاه العراق . فلو كانت قادرة فما الداعي لما قامت به من خطوات سبقت الضرب الفعلي للعراق ! ونقول بأن أمريكا لن تجرؤ على ضرب العراق نوويا ، بداعي الخوف على مصالحها أو أمنها ، في ظل امتلاك نفس السلاح ، من قبل دول مناهضة لها ولسياساتها كروسيا والصين ، لأنها بالمقابل ستعطي لهما مبررا لضربها نوويا دون سابق إنذار ، في حال قيام أمريكا بتهديد مصالحهما وأمنهما . فالمخاوف الأمريكية من أسلحة الدمار الشامل تأتي من العراق ، وكما نعلم فإن العراق كان على علاقة طيبة مع أمريكا قبل حرب الخليج الثانية ، ولم يُهدّد يوما لا أمن الولايات المتحدة ولا مصالحها ، وحتى بعد احتلاله للكويت لم يكن ذلك ليُغيّر من طبيعة تلك العلاقة ، والذين هدّد العراق أمنهم قبل جرّه لغزو الكويت وما زال ، وتستطيع صواريخه الكيماوية والبيولوجية أن تصلهم ، هم يهود إسرائيل وهو ما كان قد أيقظ المخاوف التوراتية لأسياد أمريكا من اليهود ، فكان ما كان ووقع ما لم يكن في الحسبان .
www.7ora.net/vb/showthread.php?s=3da6f3afe8ec26382c8c73566897f566&t=9108&page=4








